Translate

السبت، 28 مارس 2020

أثرياء المجتمع بين الخليفه عثمان وبين رجل الأعمال جيف بيزوس






بقلم / ياسر رافع

قال الكاتب الكبير " باولو كويهيلو " " لا تضيعوا وقتكم بالشرح فالناس لن يسمعوا الا ما يريدون سماعه " ومن هذا المنطلق ستكون كلمتى مباشره للجميع لعل وعسى نسمع ونعى قبل فوات الآوان .. هناك حدثين حدثا وبينهما تكمن أزمه مصر الحاضر المستقبل وهما حدثين يحددان سلوك إتجاهات أغنياء المجتمع تجاه فقراءه
الحدث الأول : عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:‏ ‏ حدث في خلافة أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، أن أصاب الناس قحط، فلما اشتد بهم الأمر. ذهبوا إلى الخليفة، وقالوا له:‏ ‏ (يا خليفة رسول الله، إن السماء لم تمطر، والأرض لم تنبت وقد توقع الناس الهلاك. فماذا نصنع؟).‏ ‏ فقال لهم:‏ ‏ انصرفوا واصبروا، فإني أرجو ألا تمسوا حتى يفرّج الله عنكم فلما كان آخر النهار، وردت الأنباء بأن عيراً لعثمان بن عفان، قد قدمت من الشام، وتصبح بالمدينة. فلما جاءت، خرج الناس يتلقونها، فإذا هي ألف بعير موسوقة بـُرّا وزيتاً وزبيباً، فأناخت بباب عثمان، فلما جعل أحمالها في داره، جاءه التجار، فقال لهم: ماذا تريدون؟‏ ‏ فقالوا: إنك لتعلم ما نريد. بعنا من هذا الذي وصل إليك، فإنك تعلم حاجة الناس إليه.‏ ‏ فقال عثمان: "حبّا وكرامة" كم تربحونني على شرائي؟‏ ‏ قالوا: الدرهم درهمين.‏ ‏ قال: أُعطيت زيادة على هذا.‏ ‏ قالوا: أربعة.‏ ‏ قال: أعطيت أكثر.‏ ‏ قالوا: نربحك خمسة.‏ ‏ قال: أعطيت أكثر.‏ ‏ فقالوا: ما في المدينة تجار غيرنا، وما سبقنا أحد إليك، فمن الذي أعطاك أكثر مما أعطينا؟‏ ‏ قال: إن الله أعطاني بكل درهم عشرة. فهل عندكم زيادة؟‏ ‏ قالوا: لا.‏ ‏ قال: فإني أشهد الله، أني جعلت ما حملت هذه العير صدقة لله على المساكين وفقراء المسلمين، ثم أخذ يُفرق بضاعته، فما بقي من فقراء المدينة أحد إلا أخذ ما يكفيه وأهله. ‏
الحدث الثانى : قيام رجل الأعمال الأمريكى الأغنى فى العالم " جيف بيزوس " صاحب موقع أمازون الشهير بتعيين عمال جدد لمواجهة الطلب من المستهلكين بعد أزمه كورونا وطبعا الباشا مش عاوز يدفع فلوس فعمل صندوق لجمع التبرعات لدفع مرتبات العماله الجديده من المجتمع ككل فقوبل طلبه بسخط عام من الناس و لقي طلب التبرّعات من العامة انتقادات على شبكة الإنترنت. وقد غرّد أحد المستهلكين الغاضبين على "تويتر"، "كيف يمكن لشركتك التي تقدّر قيمتها بتريليون دولار أن تطلب من الشعب التبرّع لصالح صندوق إعانة الموظفين؟ كما لو أنّ أمازون عاجزة عن دفع رواتب موظفيها".
#أزمة_كورونا كشفت عوار الرأسماليه التى لا تراعى البعد الإجتماعى وتقسم المجتمع إلى أغنياء أثرياء فى مقابل مجتمع فقير ، لهذا لا يصح أن يكون فى مجتمعنا أثرياء كثر فى مجتمع يلملم من جيوبه الفارغه ليسد جوع وحاجة أفراده فى مقابل أثرياء لا نرى منهم إلا التغريد على تويتر وإلقاء النصائح على الفقراء
يا ساده الدوله عملت اللى عليها .. الإجراءات الإقتصاديه الأخيره والدعم المباشر لعمال اليوميه لن تكون كافيه إذا تفاقمت الأزمه لذا يجب أن يقوم أغنياء هذا المجتمع بدور جديد خلاف ما أعتادوا عليه من الأخذ دون العطاء
#الخيار بين أيدى رجال أعمال وأثرياء هذا المجتمع بين نموذج الخليفه " عثمان بن عفان " وبين نموذج رجل الأعمال الأمريكى " جيف بيزوس " والحكم فى النهايه لفقراء هذا المجتمع

الثلاثاء، 24 مارس 2020

بروتوكولات حكماء الرأسماليه النيوليبراليه






بقلم / ياسر رافع


ظهر فيروس كورونا وأنطلقت معه نظرية المؤامره تدفع العالم دفعا نحو هدف غير واضح المعالم من قوى تريد شيئا غير معلوم بضرورات الهدف ولكنه معلوم بسلوكيات الحركه على الأرض . فلا شئ يسيطرعلى العالم بقنواته الفضائيه ومواقع السوشيال ميديا إلا الترويج عمدا أو بدون قصد لنظرية المؤامره التى تروج لشيطان يريد أن يلتهم العالم والتبشير بأن صراعا تستخدم فيه الفيروسات المدمرة قد بدأ زمانه لحسم صراع السيطره على العالم
فهل هذا صحيح ؟ تعالوا نتناقش بهدوء
...........................................................................................
تعتبر البدايه الحديثه للطب فى العالم عندما إكتشف الطبيب والعالم الألمانى " روبرت كوخ " الكائن العضوى الصغير (الفيبريو) الذى يسبب الكوليرا بينما كان فى الأسكندريه (مصر) عام 1883 ، ومن تلك اللحظه التاريخيه تغير شكل الطب فى العالم وأصبحت السيطره على الفيروسات المسببه لموت ملايين البشر أمرا ممكنا وعاديا بعدما أبيد من البشر الملايين . ولكنه كان بداية لعصر جديد من السيطرة على مقدرات الشعوب والتحكم فيها ، وأصبح الدواء سلاحا مشهرا فى وجه فقراء العالم بعدما تغيرت قواعد اللعبه القديمه بتصدير المرض والفيروسات القاتله . وبدأت حقبه جديده لإمبرياليه رأسماليه إقتصاديه عالميه بدلا من إمبريالية البوارج الحربيه فى القرون الماضيه .
......................................................................................
لم يكن خروج المستعمر البرتغالى والأسبانى والهولندى والإنجليزى والفرنسى إلى أعالى البحار للسيطره على العالم القديم والجديد إلا بداية لحقبه تاريخيه غيرت شكل العالم ، فقد لعبت الأوبئه والأمراض دورا بارزا فى السيطره على الشعوب التى تم إحتلال أراضيها . فمع شراهة المستعمر لخيرات البلاد المحتله من أراضى خصبه ومعادن نفيسه وعماله رخيصه فى مقابل شراهه متناميه لمستهلك أوروبى متعطش للحياه المترفه حتى ولوعلى جثث فقراء العالم ، فقد أراد المستعمر الجديد أن يقيم شبكه تنميه تؤكد سيطرته الأبديه على الأراضى المستعمره ولكن تبعات ذلك فقد خلق شبكه من الأمراض تواصلت مع شبكة تجارته فقد تحركت الأمراض كما الأشخاص والبضائع ، فقد إنتشرت مثلا أمراض أوروبا مثل الطاعون والجذام والجدرى والكوليرا والملاريا والحمى الصفراء وعبرت إلى الأمريكيتن وراحت تحصد حصدا الملايين من تلك الشعوب الغير محصنه ضد الفيروسات المرضيه والفيروسات الرأسماليه الإقتصاديه ولهذا نجد الحاجه الماسه لجلب العبيد الأفارقه ليسدوا العجز فى الأيدى العامله نتيجه تفشى الأوبئه
.................................................................................
إبان الإحتلال البريطانى للهند تحولت الأوبئه لوسيله للسيطره على الشعوب حيث توفى جراء وباء الكوليرا الذى إجتاح الهند نحو 28 مليون فرد ، وهو ما أعتبر وسيلة بريطانيه إمبرياليه للسيطره على الشعوب ، بل تعدى إلى تصفيه الحسابات داخل بريطانيا نفسها حيث جرى إستخدام الكوليرا لتصفيه الحسابات مع طوائف المهنيين والعمال من قبل الطبقه الوسطى الناشئه التى تخاف على إمتيازاتها الطبقيه .
..................................................................................
مع إنتهاء عصر الإستعمار المباشر وتراجع البوارج الحربيه قليلا للوراء قام الرئيس الأمريكى " ليندون جونسون " بتدشين حمله للقضاء على الملاريا والحمى الصفراء والكوليرا من على وجه الأرض ، وقد إستحسنت شركات الأدويه الأمريكيه تلك الدعوة وكانت وسيله إمبرياليه جديده للسيطره على العالم ، وبعد سنوات طويله ما زال أناس كثيره من شعوب العالم تموت جراء الفيروسات والأمراض المعديه على حسب رؤية شركات الأدويه الأمريكيه . ولهذا تمت الدعوه إلى إجتماع لوكلاء الصحه العالميه فى " ألما أتا " فى العام 1978 من أجل الدعوه لأن الوقت قد حان لتغيير التركيز من طب التقنيات المتقدمه إلى الرعايه الصحيه الأوليه وهى تجذير مفهوم الوقايه الأوليه ضد مفهوم الأمراض من أجل الوصول لعلاج ناجع وفعال ، وهو ما فعلته الصين حيث أغلقت حدودها على نفسها بعد العام 1949 واستطاعت بإجراءات وقائيه أوليه أن تقضى على أمراض الكوليرا والملاريا وهو تقريبا ما تفعله فى أزمة فيروس كورونا 2020 .
ولكن هذا لم يعجب شركات الأدويه الأمريكيه والغربيه وعليه فقد أدخلوا العالم فى دوامة تقنيه الأدويه
.....................................................................................
فى مدينة (لوجانو) السويسريه إجتمع مجموعه من علماء الإقتصاد والإجتماع والسكان فى الغرب من أجل الإجابه على سؤال محدد " كيف نضمن ونحافظ على الرأسماليه ؟ "  ، وقد توصل المجتمعون إلى أنه لكى تحافظ الرأسماليه وتطورها النيوليبرالى على وجودها وسيادتها على مقدرات العالم فإنها مطالبه بضرورة التخلص (قتل) ثلث سكان العالم على الأقل بكافه الأشكال ، صراعات وحروب إقليميه أو بنشر الأوبئه والفيروسات القاتله لأن الزياده السكانيه فى العالم الثالث إزدادت وأصبحت عبئا على رفاهية المواطن الغربى والأمريكى ، ولهذا مع الدعوات التى بشرت بأن عام 2020 هوعام الأزمه الإقتصاديه العالميه المتوقعه منذ سنوات ماضيه نجد أن ظهور الفيروسات والحديث عن الإجراءات الإقتصاديه الجذريه ونزول الجيوش للسيطره على الأوضاع العالميه الجديده ما هو إلا مقدمات لزمن أكثر وحشيه أو ربما لعالم أقل عدلا لصالح طبقات إجتماعيه قليله تتحكم فى المال والإقتصاد فى مقابل ملايين ستقتات على الفتات وإذا تجرأت ورفعت صوتها فنظرة واحدة على مبيعات السلاح فى الأعوام العشره الماضيه كفيل بالإجابه على ما سيحدث حينها
.............................................................................
بعد ظهور كتاب " بروتوكولات حكماء صهيون " فى العام 1901 ، وعلى الرغم من عدم حقيقته إلا أنه قد جرى تسويقه كحقيقه تآمريه لتبرير سياسات بعينها كانت المنطقه العربيه والشرق أوسطيه ضحيه لها من قبل الدوائر السياسيه الغربيه والتى دفعتنا إلى الإعتقاد فى نظرية المؤامرة حتى نستكين ولا نقاوم وهو ما نجحوا فيه ، تماما كما يحدث الأن من أتباع سياسات الراسماليه العالميه أو الليبراليون الجدد الذين يسوقون لفكرة المؤامرة الكونيه التى تأتى من الصين لتبريرأفعالهم تجاة العالم كله ، ولضمان سيطرتهم الرأسماليه المتوحشه على مقدرات العالم وأنهم ليسوا المسؤولين عما وصل إليه العالم من تدهور إقتصادى ، ولكن بدون كتاب مدون فيه بروتكولاتهم لكيفية السيطرة على العالم كما فى بروتكولات حكماء صهيون فيكفى أنك كمواطن أصبحت أسيرا لطريقتهم فى التفكير التآمرى وتمشى وراءهم كما لو كنت منوما تنويما مغناطيسيا ، وتريد أن ترى ورقا مكتوبا بين دفتى كتاب لتصدق ما تراه أمامك .
العالم مقبل على صياغة بروتوكولات جديده لحكم العالم وما أزمة فيروس كورونا إلا مقدمه لما بعدها ، الرأسماليه أصبحت أكثر توحشا مدعومة بوكلاءها فى كل دول العالم تسوق لها ولمشروعها لضمان الهيمنه على العالم لسنوات طويله قادمه . لهذا لا تنساقوا وراء نظرية المؤامرة وشرحها وتبريرها وأعملوا على إيجاد حل او مكان لنا فى الزمن القادم ، وحتى لا نفيق ونجد أنفسنا وقد تم إحتلالنا وأصبحنا عبيدا محكومين ببروتوكولات حكماء الرأسماليه النيوليبراليه الجديدة

الأربعاء، 11 مارس 2020

ولى العهد السعودى .. ترويض الأحصنه أم نهاية الربيع الخليجى




بقلم / ياسر رافع


فى أحد الأيام أحضر أحد التجار حصانا إلى الملك " فيليب " ملك مقدونيا والد " الإسكندر الأكبر" وعرض عليه أن يبيعه إياه مقابل مبلغ من المال ، ولما حاول الملك أن يركب الحصان قاومه الأخير ورفض أن يمتطيه وكاد أن يوقع الملك على الأرض ، هنا ثار الملك وأمر بذبح الحصان لأنه حصان لن يروض ، وكان إبنه " الإسكندر " إبن العاشرة من عمره جالسا ضمن الحاشيه والذى وقف طالبا من والده أن يسمح له بمحاولة تهدئة الحصان ومن ثم ركوبه ، فقبل الملك طلب إبنه وسمح له بمحاولة ترويض الحصان ، وهو ما نجح فيه الإسكندر الصغير وأستطاع كبح جموح الحصان وأمتطى ظهره ، فدهش الملك وأنسابت دموعه فرحه لشجاعه إبنه وقال مخاطبا له " يا بنى ، عليك أن تجد مملكة تسع طموحاتك ، إن مقدونيا لصغيرة جدا عليك " .
ويبدوا أن الملك " فيليب " كان يقرأ المستقبل فمع مرور السنوات كبر " الإسكندر " وأصبح طموحه واضحا فى ميراث والده على عرش مملكة مقدونيا ولكن هناك مشكله وهى أنه " نصف مقدونى " حيث أن أمه الملكه " أوليمبيباس " ليست مقدونيه وأن الملك الذى سيعتلى العرش يجب أن يكون مقدونيا خالصا من الأبوين ، وهنا حاول الملك أن يذهب بالتوصيه بإعتلاء العرش لإبنه من إحدى زوجاته الآخريات وهو ما جعل من " الإسكندر " يستعجل فى إعتلاء العرش ويروض كل الأحصنه من الأمراء الذين ينافسونه فى الطريق لإعتلاء العرش  . وقد كان العرش له فى النهايه مروضا طائعا بمساعدة أصدقاءه المخلصين وهو بعد لم يتخط العشرين من عمره .
.........................................................................................................
فى مكتبه يجلس الملك السعودى " فيصل بن عبدالعزيز" مجتمعا بوزير البترول الكويتى وفى حضور وزير البترول السعودى ، وفى هذه الأثناء دخل أحد أمراء الأسرة الحاكمه وهو الأمير " فيصل بن مساعد بن عبد العزيز " عليهم المكتب وأشهر مسدسا وأطلق رصاصات بإتجاه الملك الذى وقع صريعا ولم تفلح محاولات إسعافه . وقد تم إعدام الأمير الشاب الذى قتل عمه الملك دون الإعلان عن أسباب واضحه للإغتيال بل ذهبت الحكومه السعوديه إلى وصف الأمير الشاب " بالمختل عقليا " . وترك طرح الأسئله للمعنيين بالشأن السعودى داخليا وخارجيا ، ما بين قائلا بإن الأمير قتل الملك بسبب موقفه الشهير بقطع البترول إبان حرب أكتوبر 1973مدعوما من أمريكا التى كان يدرس فيها ، وبين قائل بأنه إنتقام من الملك بسبب قيام القوات السعوديه بقتل أخيه الكبير " خالد " عندما حاول إقتحام مقر التلفزيون السعودى فى الرياض بالسلاح لرفضه مظاهر الخروج على تقاليد المجتمع السعودى .
ولكن هناك أسباب أخرى تتعلق بخلافة الحكم وحساسيته الشديده فى السعوديه ، فهناك من يقول بأن الأمير تم الدفع به لتصفيه الحسابات على خلفيه عزل الملك " سعود " وتوليه أخيه الملك " فيصل " بدلا منه . وهناك من يقطع بأن القتل جاء لأن الأمير القاتل يتصل بقرابه من ناحية الأم إلى آل الرشيد المنافسين لآل سعود فى حكم المملكه وأن القتل جاء للإنتقام لأقرباءه من آل الرشيد من السعوديين الذى أبعدوهم عن الحكم . وأيا ما كانت الأسباب التى قيلت لتبريرعملية إغتيال الملك " فيصل " فإن الثابت أمام الأعين أن عملية ترويض الأمراء الجامحين من اسرة آل سعود وعددهم بالألاف والطامعين فى الحكم لم تكن كامله وقد دفع الملك المغدور ثمنها
.............................................................................................
مع إندلاع ثورات الربيع العربى وما صاحبها من فوران شعبى طال كل الدول العربيه تقريبا ومع مرور السنوات الأولى لم يلتفت أحدا إلى أن هناك ربيع آخر بمواصفات مختلفه تجرى أحداثه على ضفاف الخليج العربى ، إنه " الربيع الخليجى " الذى يدفع بتولى أمراء شباب مقاليد الأمور فى الخليج ، يتمتعون بخلفيه ثقافيه غربيه وأكثر إنفتاحا من الأجيال السابقه من الملوك والأمراء الخليجيين .
ومع إعتلاء الملك السعودى " سلمان بن عبد العزيز " الحكم فقد جرى تصعيد الأمير الأشهر " محمد بن نايف " كوليا للعهد فى خطوه بدت متوقعه للكثيرين خارجيا وداخليا لما يتمتع به " محمد بن نايف " من شهره وصلات دوليه واسعه ، وبداية النهايه لحكم السديريين السبعه الكبار وإنتقاله إلى الشباب من أسرة آل سعود . ولكن فجأة تم إستحداث منصب " ولى ولى العهد " وكان من نصيب الشاب " محمد بن سلمان " إبن الملك نفسه وهو ما قوبل ساعتها بالدهشه وعدم الإكتراث لكون الأمير " محمد بن نايف " ولى العهد هو الملك القادم لا محاله .
ولكن لم يمر الوقت الطويل حتى صدر قرار بإقالة الأمير " محمد بن نايف " وتصعيد الأمير " محمد بن سلمان " لولاية العرش السعودى منفردا ، ذلك الأمير الذى يطلق عليه أصدقاءه لقب " الإسكندر الأكبر " طبقا لما نشرته جريدة " الإيكونوميست " أنذاك . والذى فيما يبدوا إستشعر أن هناك من يحتاج للترويض والحد من جموحه من أجل تنفيذ خططه للوصول للعرش السعودى ، فكان ترويض الأمراء ورجال الأعمال من داخل وخارج العائله وأعتقلهم فى فندق " الريتزكارليتون " الفخم وأجبرهم على التنازل عن بعضا من ثرواتهم من أجل دعم رؤيته النهضويه للنهوض بإقتصاد المملكه وتقليل إعتماده على النفط  وفق رؤية 2030 التنمويه .
وقد بدا للعيان والمتابعين أننا أمام مشهد ترويض حصان الملك فيليب قديما وأن الإسكندر السعودى قد إستطاع ترويض الأحصنه المنافسه له والتى تعوق حركته وأن الطريق قد أصبح ممهدا نحو العرش لا يفصله عنه إلا إعلان وفاة الملك .
......................................................................................
صدم العالم على وقع المجازر والتجاوزات فى الحرب اليمينه التى شنها الأميرالشاب لدعم الحكومه الشرعيه فى اليمن فى مواجهة الحوثيين المدعومين من إيران ، وهى الحرب التى أثرت على مشروعات ولى العهد ورؤيته الخاصه ، كما صدم العالم بحادثة مقتل الصحفى السعودى " جمال خاشقجى " وهى الحادثه التى هزت العالم كله ومعها صورة الأمير الشاب ولى العهد التى كانت تسوق على أنها صوره حداثيه لأمير من الخليج مخالف لما هو متعارف عليه من الأمراء والملوك السابقين لدى الغرب وأمريكا .
هنا ظهرت بعض الأحصنه التى لم تروض وأرقت نوم ولى العهد من أمراء العائله والتى ظن الأمير الشاب أنه بمجرد إظهار بعض القوة تجاههم وتحديد إقامة بعضهم فإنه بذلك قد روضهم ، وأصبحوا يطالبون بنظام توليه للعرش لا يكون ولى العهد الحالى طرفا فيه لأنهم يرونه غير جدير بتولى العرش السعودى الذى يقبع تحته أكبر ثورة بتروليه فى التاريخ .
ومع تباطؤ الأداء الإقتصادى العالمى وتراجع سعر البترول عالميا ، وإرتفاع تكاليف الحرب فى اليمن ناهيك عن الشروخ الكبيرة التى لحقت بصورة ولى العهد السعودى نتيجة حادثه مقتل " جمال خاشقجى " ، فقد أصبح ينظر للأمير الشاب دوليا على أنه حصان جامح غير مروض يجب أن يتم ترويضه حتى لا تسوء الأمور من بين يديه وهو ما شجع الأحصنه المنافسه من داخل أسرة آل سعود بالمطالبه جهرا بتغييره بل وتحميله ما وصلت له المملكه من تدهور من وجهة نظرهم .
.....................................................................................
على الرغم من الإعتقالات التى قام بها ولى العهد السعودى " محمد بن سلمان " مؤخرا والتى طالت أمراء كبار فى العائله ويعتبروا منافسين كبار على العرش فى محاوله إستباقيه لتأمين العرش من الطامحين فيه من الأحصنه الغير مروضه ، وأسباب الإعتقال من جانب الأمير الشاب بدت منطقيه من وجهة نظر أحصنه تتسابق نحو العرش ، لكن الأسباب التى تم تسويقها شعبيا لدعم الأمراء المعتقلين بدت من ذات الطابع الذى تم تسويقه لتبريرإغتيال الملك " فيصل " قديما ، فقد قيل أن أسباب تمرد أو إنقلاب الأمراء جاء بسبب الموجه التحديثيه والحفلات الغنائيه التى تجتاح المجتمع السعودى المخالفه للشرع ، وغلق الحرم المكى بحجه وباء فيروس كورونا مع عدم غلق مواقع الحفلات الغنائيه كما قيل سابقا فى حادثة إقتحام تلفزيون الرياض . ولكن يأتى السبب الرئيس فى تلك الإعتقالات هو عدم رغبة أخو الملك الأمير " أحمد " فى دعم إبن أخيه ولى العهد لتولى العرش السعودى مع بعض التلميحات بأنه جاهز لولايه العرش لأنه الأجدر بذلك لأنه آخر أبناء الملك " عبد العزيز بن سعود " .. وفى المقابل شعبية الأمير " محمد بن نايف " المحدد الإقامه تزداد بين أوساط الشعب السعودى مما يسبب قلقا مشروعا لولى العهد " محمد بن سلمان " وهو ما جعل الجميع يدفع بأن تلك هى الأسباب الرئيسيه لعملية إعتقال الأمراء الكبار  وتوجيه تهمة الخيانه لهم .
................................................................
ولى العهد السعودى " محمد بن سلمان " والذى أحاط نفسه كما الإسكندر الأكبر بأصدقاء أداروا معه المشهد السياسى والإقتصادى وظن وظنوا معه بأنهم قادرون على ترويض الأحصنه التى تطمح فى العرش السعودى ولكن خبرة السنين كانت تنقصهم وأداروا المشهد بجموح الشباب الغير مروض والذى أوقعهم فى مزالق كثيره مما جعل من الأحصنه الخبيره التى تتمتع بشعبيه واسعه داخل أجنحة الأسرة الحاكمه تلتقط أنفاسها وتعيد نفسها إلى حلبة السباق مرة أخرى . ولن يغير منطق الإعتقالات الأميريه من حقيقة أن المشهد السعودى أصبح خليطا بين طموح ولى عهد ينظر للإسكندر الأكبر على أنه نموذج قابل للتكرار ولكنه غير قادر على ترويض الأحصنه ، وبين مبررات إغتيال الملك " فيصل " التى تخلط الصراع على السلطه داخل العائله مع مبررات دينيه وشعبيه لدفع الأمور دفعا لتنحية ولى العهد خارج المشهد .
فهل ينجح الأمير الشاب ، ولى العهد " محمد بن سلمان " بأن يعطى المثل الأبرز على نجاح الربيع الخليجى الذى آتى بأمير حداثى يخاطب المستقبل أم يدخل الربيع الخليجى مرحلة الشتاء القارس مدفوعا بصراع على السلطه بين أجنحة الأسرة الحاكمه لا يعلم إلا الله إلى ماذا سينتهى .
وهل ينجح ولى العهد " محمد بن سلمان " فى ترويض الأحصنه الجامحه الطامعه فى الحكم كما فعل الإسكندر الأكبر نموذجه المفضل فى قيادة البلاد ؟
أسئله ستظل معلقه لحين لحظة إعلان إسم الملك السعودى القادم .

الأحد، 23 فبراير 2020

مشاهد بوكسريه






بقلم / ياسر رافع



بقالنا أكثر من شهر رمضان مضى بنشاهد إعلانات ميزت الشهر الكريم وبقينا نقول إيه علاقة الإعلانات دى بالصيام ؟! طبعا أكيد عرفنا إنها إعلانات البوكسرات الرجالى المتعددة الألوان والماركات .. طيب فهمنا إنها إعلانات بوكسرات وألوان إيه علاقتها بشهر رمضان ؟ مش عارف بس يمكن يكون إن رمضان بييجى وراه العيد علطول والشباب عاوزه تخرج لابسه ومرتاحه
................................................................................
فى ظاهرة غريبه وملهاش تفسير ودى طبعا تخص إللى بيروح الجامع يصلى، تلاقى أحد المصلين بعد الإمام ما ينتهى من ركعه أو سجدة يتأخر شويتين علشان يظهر إنه متبتل وإيمانه أكبر حبتين من جميع اللى بيصلوا ورا الإمام . لحد اليوم المشؤوم !!!
بعد أن وقف المصلون وراء الإمام بعد رفع الآذان ، فكان نصيبى الوقوف خلف الإمام فى الصف الثانى ، وبدأ الإمام يتلوا الآيات ودخل الجميع فى الصلاة لا يشغلهم شيئا ، حتى إنحنى الإمام ركوعا فأنحنى الجميع وراءه ، وهنا ومع ظاهرة التبتل والخشوع الزائد ظهر بوكسر أصفر أمام عينى فى الصف الأول لشخص منحنى ويظهر جزءا من ظهره عاريا ، وطبعا مع التبتل فى كل ركعه وسجده أصبح لون البوكسر الأصفر يغازل عيون المصلين وراءه ، حتى إنتهت الصلاة وأصبح الحوار الأساسى هل ينفع الصلاه بالبوكسر الألوان الكاشف لمساحه من الظهر ؟
فناديت على هذا الشاب الصغير إسمك إيه ؟ فرد " أنا ميدو يا عمو "
حرما يا حبيبى ، السلام عليكم !!
..........................................................................................
زمان كانوا بيخرجوا بشوار العروسه أو الجهاز بتاعها محمول على العربات الكارو أو الجمال وسط زغاريد النساء وفرحة الرجال ، ومرت السنين وبدأت الظاهره تختفى ، حتى ظهرت مرة أخرى ولكن بشكل أكثر إزعاجا .
زيطه وزمبليطه وأغانى مهرجانات وصوت عالى جدا ! إيه الحكايه ، طبعا بعد التعود فدا مشهد مرور الموكب الشهير لجهاز العروسه الجديد بنسخته الحديثه فى طريقه إلى شقة العريس ، سياره تحمل معدات دى جى كامل بصوتها العالى .. ووراءها مجموعه من السيارات النص نقل تحمل الشوار الجديد ، وسيبك من أن أهم سياره فى هذا الموكب الكرنفالى هى السياره التى تحمل الأجهزه المنزليه لأنها الأغلى ثمنا ، وباقى السيارات تحمل قدرا بسيطا الجهاز مع كميه من المعازيم لافته للنظر ، لكن الأهم فى هذا الموكب هم الشباب العراه من النصف الأعلى وبأيديهم علب المبيد الحشرى البيروسول التى تخرج منها النيران وسط موجه من الهياج الذى تساعد عيه أغانى المهرجانات الخارجه من دى جى السياره الأماميه ، وطبعا مع الجزء العارى للشباب يظهر الجزء الأسفل مبرزا للبوكسر وألوانه .
هناك شاهدته واقف على " كبوت " أحد سيارات النص نقل يرقص بجسمه العارى المتهدل البطن وصدره البارز وبوكسره المميز يحمل قميصه ويطوح به فى الهواء ، وكان اللافت للنظر غير البوكسر هو البنت التى كانت تشير له فى هيستيريا وهى ترقص فى صندوق السياره الخلفى بشعرها الأصفر الغريب ، طبعا أكيد ضرباه فى الأوكسجين
لحظات مرت ورأيته يأتى ناحيتى وهو يرقص ويهمس فى ودانى ، إيه رأيك يا عمو فى الموزه دى ؟!
قصدك على مين ؟! اللى شعرها أصفر إللى ربطاه بإيشارب أبيض ؟!
فضحكت : أصفر إيه يا يخرب بيتك ، دى من كتر الأوكسجين اللى فى شعرها والإيشارب الأبيض بقت عامله زى البيضه أم صفارين "
....................................................................................
قاعد على القهوه وبشرب الشاى الساخن لقيته جاى بجسمه الممتلئ وبنطلونه الساقط وبوكسره الملون فى منظر لا يناسب الشتاء تماما ، وطلب إنه يقعد معايا علشان عاوز ياخد رآيى فى موضوع مهم .
أنا : إتفضل يا حبيبى مرحب بيك
ميدو : إزيك يا عمو !
أنا : الحمد لله
ميدو : أنا كنت عاوز منك طلب يا عمو ! عاوزك تروح معايا لبابا علشان تقنعه إنه يجوزنى البنت إللى بحبها !!
أنا : ههههههههههه ببوكسرك دا أبوها هيرضى بيك ؟
ميدو : ههههههههه لا ياعمو متخافش أبوها موافق !!
أنا : يا راجل !! طيب إنت عاوزنى فى إيه بقى ؟
ميدو : عاوزك تقنع بابا إنه يجوزنى اللى بحبها ، أصله عاوز يجوزنى بنت خالتى
أنا : إنت خلصت الدراسه ؟!
ميدو : لأ انا لسه فى سنه تالته فى الكليه
أنا : وطبعا هيا كمان بتدرس ! كدا فل الفل ، إستنى يا واد إوعى تكون البنت اللى ضاربه شعرها أوكسجين
ميدو : أيوه هي دى يا عمو
أنا : طبعا أمك موافقه على بنت أختها
ميدو : أكيد طبعا ، وأبويا هوا اللى مصمم وبيقولى دى ست بيت وتقدر تنفعنا
أنا : ههههههههههه قالك كدا
ميدو : أه والله يا عمو
أنا : آبوك عنده حق ، إنت ببوكسرك وهيا بشعرها الأوكسجينى يبقى أمك اللى هتخدمكم ، وأبوك طبعا أكيد عاوز اللى تساعد أمك فى شغل البيت وتضمن حد يمسح السلم معاها
ميدو : هههههههههههه وربنا يا عمو دى بتقولى أنا بموت فيك وهخللى باباك ومامتك فى عنيا الإتنين
أنا : سؤال !! هوا إنت بتعرف تغسل ولا تطبخ ولا تمسح ؟!
ميدو : انا بدأت اقلق من كلامك يا عمو !!
فجأة رن موبايله فلقيت ميدو واقف زى الألف وحط الموبايل على ودنه وراح فى جو تانى ومشى خطوات بعيده وسند كتفه على أحد الحوائط مشبكا رجليه فى مشهد بيفكرنى بالشباب اللى بتحجز كراسى العربيات التويوتا للموزز الصبح وآخر النهار ، وشويه ولقيته بيقولى
ميدو : معلهش يا عمو هروح أجيب الهديه بتاعت عيد الحب أصل نسيتها عند محل الهدايا وبعدين نكمل كلامنا فى وقت تانى
أنا : ماشى يا حبيبى ! إتفضل وسلملى على بابا
ومشى مبتعدا منحنى للامام قليلا ومنهمك فى الرد على الموبايل بصوت منخفض لدرجة الهمس
...................................................................................
وقف الميكروباص بعد ما شاورت له ثم ركبت وجلست فى أحد الكراسى ، وطبعا مفيش لحظات حتى أدركت إن الميكروباص كله طلبه راجعه للبيت بعد يوم دراسى ، وطبعا بدأ طقس لم الأجره ، معاك إتنين ورا ! عاوز باقى الخمسه يا أسطى ! وهلم جرا من حوار معتاد فى سيارات الأجره ، حتى اللحظه التى بدأ فيها الطلبه وصله هزار طفوليه مستمتعين بأغانى مهرجانات صادره من موبايل أحدهم وبدأوا القفز على بعضهم البعض ولم تشفع كلماتى لهم بالصمت فسكت !!
وبعد شويه لقيت واحد بيقول للتانى " هوا إنت بروح أمك مش هتغير نوع البوكسر بتاعك دا " .. هنا راحوا فى وصلة ضحك هستيرى وكل واحد بدأ يستعرض ماركه البوكسر بتاعه وثمنه ليغيظ به الآخرون
سواق الميكروباص إلتفت للوراء ووجه كلامه لى " يا أستاذ قول للعيال دى عيب "
فضحكت وقلت له " أنا ماليش دعوة ، خليهم يفرحوا بسنهم "
.......................................................................................

الأربعاء، 12 فبراير 2020

ثنائية الإعتراف/الحق فى مقابل ثنائية الجيش/المهندس




بقلم / ياسر رافع


الإعتراف .. هو الفضيله التى حوصرت داخل جدران المعابد والكنائس والمساجد فى مصر ! فلم يعد أحد قادرا على الجهر بإعترافاته وأخطاءه لتصويب الأخطاء من أجل المستقبل ، وأصبح الإعتراف فى السر على يد الكاهن أوالقس أوالشيخ طقسا لا يجوز أن يعرف به أحدا خصوصا ممن كانوا ضحايا لتلك الأخطاء ولم لا فقد غسلت الذنوب ببركات دينيه مقدسه مشفوعه بسريه كامله . ولكنه إعتراف منقوص لأنه لم يستتبعه إعطاء الحقوق لمن سلبت منهم لأن هنا تظهر تباشير المستقبل لمجتمع متناغم يصحح نفسه وبنفسه .
فى مقال للكاتب المصرى " عمار على حسن " بعنوان " حين يتمكن العوام من إختطاف السياسة " يشير لإشكالية الإعتراف والحق بطريقه مباشرة وحذره  " إن كثيرا من المفكرين والكتاب يخافون من الجهر بإعتقادهم الراسخ بأن التاريخ تصنعه النخب ، خوفا من إتهامهم بالفاشيه أو النازيه " . وهنا يثور السؤال ما هى تلك النخبه التى تصنع التاريخ بكل مكوناته وتعتبر العصب الأساسى والمتحكم فى المسار البشرى ؟
هل هى النخبه المدنيه ؟ أم النخبه العسكريه ؟
...............................................................................................
إن تطور إنشاء المدن فى مصر هو الوحيد الذى يفسر العلاقه بين ثنائية الإعتراف/الحق من خلال ثنائيه تاريخيه أخرى ألا وهى الجيش/المهندس . فعندما كانت تتفرغ الجيوش من حروبها وحملاتها الحربيه كان يظهر المهندس " كاهن الحضارة " ليعيد هندسة المكان عبر تشييد المدن لتعبرعن واقع جديد وسلطه جديده تصيغ عهدا ومستقبل مغاير لما قبله ، وهنا كان على النخب المدنيه أن تعترف بهذا الوضع الجديد وأن تعمل من خلال طرقات المدينه وشوارعها الجديده على تعريف الناس بحقوقهم وواجباتهم تجاه السلطه الجديده ، ولكن سرعان ما تختل العلاقه بين النخب العسكريه والنخب المدنيه وتغيب ثقافة الإعتراف/الحق وهنا يكون هذا إيذانا ببداية جديده لثنائية الجيش/المهندس لتعيد هندسة المجتمع عبر إيجاد مدن جديده تعيد صياغة الحاضر والمستقبل .
.....................................................................................................
كان بناء المدن فى العهد الفرعونى يعبرعن قوة الدوله و فلسفة الحكم الجديد ، فنرى العواصم قد بنيت فى الجنوب والشمال لتعبرعن هذا المعنى ، وأيا ما كان الشكل الهندسى الذى بنيت به إلا أن المراد من تلك العواصم يؤكد عبرالشكل الهندسى الجديد على الروح الدينيه حيث يحتل المعبد القلب من المدينه  ومناطق سكن الفقراء حول المدينه ( لا غنى لآى مدينه عنهم فهم وقودها ) والأهم فيها هو القصر ، سلطة الحكم والقوه ، كل ذلك فى إطار شبكة من الطرق تحدد المسارات والإتجاهات وبمرور الأزمنه أصبحت تحدد شكل الحكم .
ولم تختلف فلسفة الحكم فى بناء المدن للسيطره على المجتمع من الحكم المصرى أو الأجنبى ، فقد حكم " الإسكندر الأكبر" بجيوشه عبر بناء هندسى جديد يعبر عن فلسفة حكمه الجديده فكانت مدينة الأسكندريه العظيمه .. ولما جاء الفتح العربى لمصر لم يختلف الأمر فقد بنى قائد الجيش " عمرو بن العاص " مدينة الفسطاط وفى القلب منها الجامع المسجد وتم هندسة المدينه لتعبرعن الفكر الجديد للحكم . ومع بداية حكم الدوله الطولونيه أراد " أحمد بن طولون " أن تكون له مدينه تعبر عن حكمه الجديد فكانت مدينة " القطائع " ولكنها لم تكن مدينه بالمعنى الكامل حيث أنها كانت إمتدادا لمدينة الفسطاط القديمه ، ولكنها عبرت عبر طرازها المعماى الهندسى الجديد عن فلسفة الحكم
ومع دخول الجيش الفاطمى مصر بقيادة القائد " جوهر الصقلى " آمره الخليفة " المعز لدين الله " بأن يبنى مدينه لتكون مقرا للحكم الجديد وتعبر عن طبيعة الحكم الجديد فكانت مدينة " القاهرة " ولم تختلف القاهرة عن الفلسفه الهندسيه فى بناء المدن القديمه فقصر الحكم والمسجد حاضران ولكن الجيش الفاطمى كان جيشا هجينا من أعراق مختلفه ( الصقالبه – الروم – الأمازيج )فتم بناء أحياء مختلفه لهم فى العاصمه الجديده حتى لا يحدث صدام بينهم
............................................................................................
مع بداية القرن العشرين أصبح مما لا يدع مجالا للشك أن دور الجيوش فى الغزو وإحتلال الدول أصبح صعب التحقيق مع طبيعة التطور البشرى وفلسفة الحقوق والواجبات داخل المجتمعات ، وتطورت ثنائية الجيش/المهندس لتواكب التطور المجتمعى فأصبح توزيع الملكيه على جموع الشعب وسيله آمنه للسيطره على المجتمع مع التوسع فى تشغيل الكتل الحرجه داخل المدينه حتى لا تثور وتشل حركتها ومن ثم تسقط النظام السياسى  . ولكن المطالبات الشعبيه أصبحت تزداد حيث أن المدن تحتوى على كتل بشريه فقيره تزداد مطالباتها بتطورالحياة داخل المدينه ويساعد تركيز الثروة فى جزء من المدينه  يقابله فقرا فى الجانب الآخرمنها وحولها الأمر الذى يكون بداية الشرارة للثورة .
وتكون الطرق والشوارع التى بنتها ثنائية الجيش/المهندس لتعبر عن طبيعة الحكم ميدانا للصراع بين الدوله بنظامها السياسى وبين الجماهير الثوريه التى تريد من النظام الحاكم ومن نخبته التى كونتها أن تعترف بحقها فى الحياة وفى المستقبل ! .
وحسم المعركه يقف على من يسيطر على الطرق والشوارع ، وهنا يؤكد " جوزيف جوبلز " وزير الدعاية للجيش النازى على أن " من يستطيع السيطرة على الشارع يسيطر فى الآن نفسه على الدوله "
ومع سقوط النظام السياسى تبدأ مرحله جديده أخرى ..
.......................................................................................
عندما تهدأ الحاله الثوريه تبدأ ثنائية الجيش/المهندس فى إعادة هندسة المجتمع مرة أخرى عبر إيجاد علاقات إجتماعيه جديده ! وتوزيع قاعدة الملكيه بين جموع الشعب ! والعمل على تقليل نسب البطاله فى المجتمع خصوصا بين فقراء المدينه وقود الثورات ! والعمل على إيجاد ظروف معيشيه وسكن أفضل !
ولكن تبقى المدينه دائما فى القلب حيث أنها مركز الحكم فكان بناء الطراز الجديد من بناء المدن ، تلك المدن التى تتطلب عددا قليلا من السكان والعاملين فيها وطرقا سريعه حديثه وشوارع واسعه تعبر عن فلسفه الحكم الجديدة
..............................................................................
النخبه فى المجتمع المصرى عبر تطورها التاريخى لم تكن إلا معبره عن فلسفة حكم الثنائية الأبديه الجيش/المهندس من خلال العلاقات الإجتماعيه فى مدينة الحكم ! حتى الإختلاف مع الحكم كان من خلال تلك الفلسفه فى معظم الحالات . ولكن الصدمه الكبرى كان تحالف تلك النخبه إما برضاء أو إذعان  مع السلطه ولم تعترف بفشلها فى تعريف جموع الشعب بحقوقهم وواجبات نظام الحكم تجاهم وتركتهم للفقر والثورة حتى ما أن يحتل الفقراء الثائرين طرق وشوارع المدينه مدعومين بالجموع الهادره الآتيه والمسانده لهم من الريف حتى تطل النخبه برأسها تنادى بحقوق الناس وتعترف بأحقيتهم فى الحياة الكريمه ومستقبل مشرق .
حتى ما أن تستعيد ثنائية الجيش/المهندس دورها التاريخى فى هندسة المدينه والمجتمع فنرى النخبة تنقسم حول نفسها قسم يلحق بالسلطه الجديده وقسم يلعن الظرف التاريخى الذى أفلت منه ، ولكن كلا القسمين يلعنان الجماهير التى خذلته ويصفونها بأقذع الأوصاف ويستمر هذا الحال فى الوقت الذى يجهل فيه الجميع أن هناك من يعيد بناء وهندسة المجتمع على أسس جديده ، وحتما ستختفى نخبا قديمه وستظهر أخرى ولن يتغير شيئا طالما أن الجميع لا يعترف بأن ثنائية الجيش/المهندس المدعومه بالقطاع الصناعى والتجارى حديثا هى التى تنتج علاقات الإنتاج عبر التاريخ وهى التى تبنى المدن التى تعبر عن فلسفتها ! بل وهى التى تتدخل فى بعض الآحيان لهدم نظم سابقه لإيجاد علاقات إجتماعيه جديده تساير العصر مستخدمة النخبه دون أن تدرى من أمرها شيئا لتبرير سلوكها
..............................................................................................
النخبه المصريه دخلت كهف الظلام بإختيارها عبر عدم إعترافها بثنايئة الجيش/المهندس الحاكمه للحياة السياسيه والإجتماعيه والإقتصاديه منذ بدأ الدوله المصريه على وادى النيل ، فى الوقت الذى لم تعبر بقوة عن حق الناس فى المدينه وفى المجتمع الجديد بل وأدارت ظهرها إما خوفا من السلطه الجديده أو عجزا عن إنتاج نمط تفكير جديد الذى حتما ستوجده الثنائيه الأزليه بمرور الوقت وستكون عندها النخبه الجديده وريثه لنخبه منبطحه أساءت لحق الناس فى مستقبل أفضل
...........................................................
من لا يعترف بحجم القوى التى تحكم المجتمع وطبيعة حركتها قديما وحديثا حتما سيقع فى دوامه التغيير الأزلى والقسرى لهندسة المجتمع دون أن يكون له دورا وسيظل مفعولا به ، وساعتها تصبح فلسفة الحقوق عباره عن مطالبات مستمرة من نخبه تقدم طلبات متذلفه ليكون لها دورا ، وشعب فقير كبحرمتلاطم الأمواج ينتظر أن يكتمل بناء مدينة الزمن الجديد لعل وعسى أن يكون له مكان فيها !!
وهنا تبدأ الدورة الأزليه مرة أخرى مدينه جديده تبنيها ثنائية الجيش/المهندس سرعان ما يلحق بها الفقراء فتظهر النخبه الجديده معبرة عن ثنائية الإعتراف/الحق فيحصل الصدام وتصبح الطرق والشوارع الحكم والفيصل على الإستمراريه ونجاح أو فشل أى ثورة .. ومع عدم الإعتراف وضياع الحق بعدها نبدأ من جديد

الثلاثاء، 21 يناير 2020

المثقف المصرى والبجعه السوداء





بقلم / ياسر رافع


الزعيم السوفيتى " فلاديمير لينين " كان له رأى فى المثقفين أثار لغطا كبيرا خصوصا وهو يعد من كبار المثقفيين الثوريين الذين أثروا فى تاريخ العالم الحديث حيث قال " المثقفون هم أكثر الناس قدرة على الخيانه لأنهم أكثرهم قدرة على تبريرها " .. وقد تلقف كثير من دعاة الجهل والتجهيل والإرهاب الفكرى تلك المقوله لمهاجمة دعاة الفكر ونشر الوعى بين الناس ! لكن محاولتهم ذهبت عبثا فقد تبين أن " لينين " كان يستخدم تلك الكلمات لمهاجمة أعداءة من المثقفين المناوئين لأفكارة الشيوعيه .
ولكن تلك الكلمات لم تقف عند هذا الحد بل بمرور الأيام وحتى بعد سقوط النظرية الشيوعية والإتحاد السوفيتى ممثلها السياسى أصبحت عنوانا عريضا للطعن فى كل المثقفين فى مقابل مثقفين أرادوا بتلك الكلمات أن تكون وقفه حقيقيه أمام أنفسهم وأمام الناس ليقرورا مع من يقفوا ! السلطه أم الناس ؟ هل هم دعاة خيانه وتبرير أم دعاة حريه وفكر ؟
.......................................................................................
أعتبر مشهد دخول شيوخ الأزهر لمجلس " محمد على " وإلباسه ثوب الولايه على مصر وإعلانه واليا عليها رغم أنف الخليفه العثمانى إنتصارا للمثقفين من قبل دعاة التنوير ولما لا فهم قادة المجتمع الحقيقيين ولكن فاتهم أن الأزهر لم يكن قلعة للمثقفيين بمفهومهم الحديث ، ولكنه كان قلعة دينيه كافحت وحافظت بقدر إستطاعتها على ما تبقى من أمه مهزومه تكافح للخروج من عباءة القرون الوسطى المظلمه.
 ولكن ظهور مصطلح المثقف فى مصر بمفهومه الحديث لا ينطبق إلا مع بداية ظهور الشيخ " رفاعه رافع الطهطاوى " الذى نستطيع أن نطلق عليه بكل أريحيه بأنه أول مثقف مصرى بالمفهوم الحديث ، ولكنه رغم إنتاجه العلمى والأدبى الغزير نأى بنفسه عن السياسه ومعتركها وركز على أهمية تعليم الشعب رجالا ونساءا على حدا سواء مدعوما بسلطة الدولة التى أتاحت له أن يتبوأ مكانه عاليه فى سماء الثقافه والعلم فى مصر الحديثه .
 ولكن فى المقابل كان " الطهطاوى " أول مثقف أيضا مورس ضده فعل " التخوين " وفعل " التبرير " فهو الشيخ الأزهرى المعمم الذى تحول إلى مثقف عصرى الذى واجه إتهامات كبيرة بالخيانه للدين من دعاة القرون الوسطى من بعض الشيوخ الأزهريين الذين كانوا يرفضون التحديث والحداثه ، وبالخيانه من دعاة الشعارات الجوفاء الذين يريدون أن يرفل المجتمع فى جهله حتى تسهل قيادته من بقايا المماليك والأتراك الذين كانوا يتحكمون فى مقدرات البلاد . فى مقابل دعاة التبرير من أنصار التحديث الذين رأوا أن عليهم واجب فى الدفاع عن الطهطاوى . وبهذا نستطيع أن نقول أن أول تقسيم حدث للمثقفين بين الخيانه والتبرير ! وبين المولاة والمعارضه للسلطه ! عنوانه العريض هو الشيخ  "رفاعه رافع الطهطاوى " .
ويبقى السؤال ، هل تكلم الطهطاوى مدافعا أو مهاجما عن ما أثير حوله من لغط ؟
الشيخ الطهطاوى كان شخصيه غير صداميه  يكن إحترام متساوى قائم على التوازن بين سلطة الدوله وسلطة الأزهر مما جعله شخصيه مدعومه بقوه فى الإصلاحات التى قام بها لصالح الناس ، وكان ينأى بنفسه عن صدام يشغله عما ينفع الناس حتى أصبحت المدارس والتعليم متاحيين للفقراء من أبناء الشعب المصرى .
سأل يوما الطهطاوى لماذا لا ترد على مهاجميك من بعض شيوخ الأزهر فقال " لقد تجاوزت السبعين عاما ولا اريد أن يعرض بى ؟! " بهذا الكلمات فقد ترك الطهطاوى حسم مسألة التخوين والتبرير لغيرة من المثقفين من بعده فقد أدى ما عليه لصالح الناس وأنتشر التعليم الحديث كالنار فى الهشيم
.................................................................................
فى كتاب " البجعه السوداء .. تداعيات الأحداث الغير متوقعه " للكاتب اللبنانى الأصل " نسيم طالب " والذى يتمحور حول فكرة الصدمه النابعه من التمترس خلف الأفكار الثابته والمعلبه حيث يعطى مثالا عاما لمدخل الكتاب وأفكاره العامه حيث يقول " قبل أن يتم إكتشاف أستراليا ، كان أناس العالم القديم على قناعة بأن جميع طيور البجع إنما هى بيضاء ، ولقد كان هذا الإعتقاد راسخا فيما كانت الأدلة الواقعية تشهد له ، ولعل الوقوع على البجعه السوداء الأولى كان يمثل مفاجأة مدهشه للبعض من علماء الطيور، ولكن هذا ليس مربط الفرس فى هذة القصه فالمسألة هى أن هذه الطرفة تقف شاهدا على شدة محدودية معارفنا المستقاة من الملاحظه والتجربه ، كما تشير إلى مبلغ هشاشة مداركنا عن الأشياء والأمور " .
ما أن تنتهى من الكتاب حتى ترى أن المثال السابق لا ينطبق فى مصر إلا على المثقف المصرى الذى أصبح كمن صدمته شاحنه وأصبح ممددا على سرير فى غرفة العناية المركزه موصولا بأنابيب التغذيه من أفكارة القديمه المعلبه من الليبراليه والقوميه والدينيه واليساريه لا يستطيع الفكاك منها ، يعشق الثبات ويدافع عنه حتى ظهرت ثورة 25 يناير التى مثلت البجعه السوداء والتى شهدت على مدى هشاشة المثقف المصرى ومدى إدراكه لطبيعة الواقع حتى أننا نجده لم يكن داعيا حقيقيا للثورة أو راغبا فى تحمل تبعاتها بل إنه لحق بها لعل وعسى  أن ينسب له أنه مكتشف أو داعيا لإكتشاف البجعه السوداء .
.......................................................................................
مع نهاية القرن التاسع عشر ومع إنتشار أدوات الثقافه من المطابع والصحف والكتب المترجمه بدأ يتبلور شكل المثقف المصرى وأصبح متفاعلا مع فكرة تثوير المجتمع وإستنهاضه وكانت فكرة المولاه أو المعارضه للسلطه الحاكمه لا تشكل عائقا أمام الإنتاج الفكرى والثقافى بأشكاله المختلفه وتمثل هذا فى الثورة العرابيه والتى مثلت بقائدها الزعيم " أحمد عرابى " أول ظهور للبجعه السوداء فى تاريخ الثقافه المصريه الحديثه حيث مثلت الثورة صدمه ضخمه لما هو معتاد ومتعارف عليه من أن الثورة عمل لا يمت لأفكار البلاد بصله وأن الخروج على الحاكم عملا خارج عن التعاليم الدينيه والأعراف المتوارثه ، لهذا فليس مستغربا أن يحدث أول إنشقاق ثقافى حقيقى آذن لحقبه جديدة فى مصر حيث أصبح للثقافه ضفتان تمارس فعل السياسه بين المولاه للسلطه فى مقابل المعارضه لها . وقد أصبح نموذج الشاعر أحمد شوقى فى مقابل الشاعر الشعبى عبد الله النديم هو العنوان العريض والترجمه الحقيقيه للتداعيات الأولى لمهاجمه خط الشيخ الطهطاوى الحداثى الخيانه والتبرير للأحداث من خلال المثقفيين ومواقفهم
ولكن هذا لم يمنع أن يكون هناك إبداع كامل أثرى الثقافه المصريه بعيدا عن التخوين والتبرير
......................................................................................
لم تكن ثورة 1919 بقيادة الزعيم " سعد زغلول " حدثا خارج السياق العام ولم تكن كالبجعه السوداء التى ظهرت فجأة بل كانت حدثا متصلا بتنامى الثقافه وإنتشارها فى مصر رغم محدودية إنتشارالتعليم ، ولكنها شهدت تأثيرا كبيرا للمثقفين وبدايه لتأثير حقيقى لهم فى الشأن المصرى ، لكن فى المقابل رسخت لفكرة الموالاة والمعارضه التى غيرت شكل التاريخ فى مصر ورسخت لفكرة الوطنيه المصريه وبدأت تترسخ فى مصر ثقافة قبول الآخر وتوارت فكرة التخوين والتبرير المقابل وأصبح ظهور البجعه السوداء كحدث إستثنائى هو محل تقدير وسط شيوع الأفكار وسيولتها وتفاعل الناس معها وهو ما أظن لبداية النهايه لعصر القرون الوسطى وبداية الدوله المصريه الحديثه مع قيام ثورة 23 يوليو 1952 .
.......................................................................................
كان للثقافه والمثقفين المصريين دورا بارزا فى مصر بعد ثورة يوليو52، فلأول مرة أصبح لمصر قوة جبارة عرفت " بالقوه الناعمه " شكلت ولسنوات طويله وعى المصريين والعرب جميعا وآثرت فى المكون الحضارى العالمى فى فترة الخمسينات والتسينات من القرن العشرين ، ولكن منطق التخوين والتبرير والموالاة والمعارضه للسلطه  لم يغب عن المشهد بل كان له بعدا خطيرا فقد ظهرت بواكير الإقصاء للآخر لعبت فيه الدوله دورا كبيرا لكن الدور الأكبر كان بين المثقفين أنفسهم على إختلاف مشاربهم الثقافيه والفكريه فقد مارسوا ضد أنفسهم أبشع اساليب الإقصاء وعدم قبول الآخر لكن ذلك لم يعوق الإنتاج الأدبى والفكرى والثقافى الغزير الذى ساد إبان حكم الرئيس " عبد الناصر "
حتى ما أن حانت نهاية فترة الحقبه الناصريه حتى بدأت تباشير بدايه أخرى لم تكن تخوينا أو تبريرا ولكن بداية " لتكفير " الآخر وصولا لإستباحة دماء المثقفين .
.........................................................................
لم تكن الفترة التى تلت الحقبه الناصريه وحتى نهاية عصر الرئيس السابق " حسنى مبارك " لها ملامح مميزه نستطيع أن نشير إليها ومن يقول بأن نجيب محفوظ حصل على جائزة نوبل للأداب فى عصر " مبارك " فهو مردودا عليه " فنجيب " إبن ما قبل تلك الحقبه بسنوات . لقد حدث تراجع عام وأصبح إختفاء المثقفين المفاجئ من الساحه شيئا معتادا وسط تراجع كامل للحياة الثقافيه المصريه التى تراجعت بشدة بعدما أصبح التعليم وسيلة للترقى الحكومى وألتحقت به الثقافه وصارت حكرا على المتحلقين حول السلطه حتى توارى الإبداع وأصبح الدخول لمساحة الضوء والشهرة المرتبطين بالإبداع يجب أن يمرعبر أبواب السلطه حتى أصبح التخوين والتبرير هما السيدان والحاكمان لطرفى المعادله بين الموالاة والمعارضه ، بل أصبحا المتحكمان فى حركة الإبداع حتى وصلنا لنهاية عصر مبارك وقد خمد الإبداع وضاعت القوة الناعمة لمصر ودخلت الثقافه والمثقفين المصريين فى غالبيتهم الكاسحه وراء المتاريس التى صنعتها الأفكار المتوارثه والتى أصبحت تستعصى على التطوير والتحديث وصولا للحداثه ، لهذا لم يكن مستغربا أن يفاجئ المثقف المصرى بأن هناك شباب مثلوا فعل البجعه السوداء الخارجه عن المألوف قد وقف متسلحا بأفكار عصرة يقود الشارع بجموعه الهادرة ، ونراة سرعان ما قفز ناهضا محاولا للحاق بهذا الحدث الجديد المفاجئ له ، لكنه لم يكن على مستوى الحدث فنرى كل المثقفين على خلاف مشاربهم الثقافيه يحاولون إسباغ ثورة 25 يناير كلا بصبغتهم الخاصه حتى أصبح الصراع بين التيارات السياسيه والثقافيه الحدث الأبرز وهو ما سرع بسقوط الجميع مرة أخرى وسريعا فى 30 يونيو 2013 . ولم يستفد أحدا من ظهور البجعه السوداء وكأن المثقفين المصريين مثل أهل الكهف الذين ماتوا لسنوات طويله ثم أحياهم الله فرأوا ما حدث لهم ثم ماتوا مرة أخرى
.......................................................................
لقد لعبت أدوات السوشيال ميديا " الفيس بوك " و " تويتر " دورا بارزا فى تاريخ الحياة المصريه الحديثه فقد مارس فيها ومن خلالها الشباب المصرى حريته بعيدا عن قوالب الحياة المصريه المعتادة ، إستخدمها فى الثورة وفى النقد وفى التخوين وفى التبرير وأكتشف من خلالها فعل الثورة (البجعه السوداء) . ولهذا ليس مستغربا أن يذهب المثقفين وراء الشباب إلى عوالم السوشيال ميديا باحثين عن جمهور يسترضونه مستخدمين نفس الأدوات التى أخرجتهم من مشهد ثورة 25 يناير-30 يونيو ، يحدثونهم عن ثقافات إنتهى عمرها الإفتراضى لم تطور نفسها لتساير العصر مستخدمين اقصى درجات الإقصاء للآخر على أمل الإستمراريه وإرضاء جمهور يريدهم على الأرض بأدوات العصر وليس بأدوات العصر بأوهام الماضى
........................................................................
الثقافه المصريه أصبحت متكلسه لا تقوى على مواجهة ظهور مفاجئ لبجعة سوداء مرة أخرى حتى وإن كانت تلك البجعه حاجه ملحه وضروريه ، فقد تراجع التعليم وجودته وأصبحت كلمة ثقافه كلمه منبوذة وعنوانا لشخص متعالى كمن ينظر للناس من فوق بناية عاليه يريدهم أن يصعدوا إليه دونما أن يعلمهم الوسيله لكيفية الصعود إلى أعلى . ولهذا أصبح لزاما على المثقفين المصريين الحقيقيين أن ينزلوا إلى الشارع لإنتشال ما تبقى من قوة مصر الناعمه ويطوروها بعيدا عن التخوين والتبرير المقابل ، وبعيدا عن فكرة الموالاة والسلطه وأن ترجع الثقافه المصرين إلى نهرها الجارى المتصل يتحاورعلى جانبى شاطئه الجميع
........................................................................
على المثقفين المصريين أن لا ينتظروا حدثا ضخما كبيرا لينتشلهم من على قارعة الطريق فهم قد أثبتوا أنهم ليسوا على مستوى الأحداث فى مصر والعالم ، وعليهم أن يرجعوا لبدايات الثقافه فى مصر ليتعلموا كيفية قوبل الآخر أولا ثم يبدأوا من حيث إنتهى الأخرون

الاثنين، 13 يناير 2020

المعارضه المصريه !!





بقلم / ياسر رافع


كانت الحوارات التى أعقبت إندلاع ثورة 25 يناير التى تحل ذكراها التاسعه هذه الأيام تحمل بين طياتها زخما كبيرا من الأفكار والأحلام الكبيرة ! لكنها سرعان ما كانت تصطدم بحقيقة واقع لم تستطع الثورة تجاوزه !
وكانت الحوارات التى تستهدف تقييم المعارضه المصريه وأداءها لا تلقى آذانا صاغيه خصوصا وأن الجميع كان مشدودا للحاله الثوريه التى تجتاح الشارع . ولكن فى حوار مع صديقى اليسارى " رائف سليم " الذى رحل عن عالمنا منذ خمس سنوات تحدثنا عن طبيعة المعارضه المصريه وأداءها خلال الثورة ومستقبلها وأتفقنا وأختلفنا ولكنه فى نهاية الحوار وقف منتصبا وقبل أن يهم بالإنصراف قال لى " إنت عارف مشكلة اليسار المصري إيه !! إنه يتشرذم ويتشظى من تلقاء نفسه "  
وهكذا وضع صديقى الراحل يده على بيت الداء للمعارضه المصريه ، الصراع الداخلى وعدم وضوح الرؤيه
........................................................................................................
فى أواخر القرن التاسع عشر أراد الخديوى " إسماعيل " أن ينشأ نظاما برلمانيا مصريا يحاكى النظام البرلمانى الأوروبى ، فأرسل أمرا إلى وزيره " راغب باشا " برغبته فى إنشاء مجلس شورى النواب منتخب من الأهالى لما له من منافع للناس !! وقد كان له ما أراد وفى يوم 26 نوفمبر 1866 عقد مجلس النواب الجديد أولى جلساته بعدد قوامه 75 عضوا منتخبا ! ولكن ما أن دخل النواب الجدد قاعة المجلس وطبقا لما هو مقرر سابقا وطبقا للنظم البرلمانيه المتبعه فى الغرب فكان يجب على النواب أن يوزعوا أنفسهم بين يمين المجلس ويساره ، ولكن عندما دخل " شريف باشا " ناظر الداخليه لتفقد القاعه قبل وصول الخديوى وجد جميع النواب يجلسون فى يمين القاعه ، فسألهم لماذا لم يجلس أحد فى مقاعد اليسار ؟ فرد عليه النواب متعجبين " وهل يجرؤ أحد على معارضة أفندينا ولى النعم ! " .. فقال لهم " إن هذه رغبة أفندينا الخديوى "  فأنتقلوا جميعا إلى مقاعد اليسار فأضطر أن يشرح لهم النظام البرلمانى  وأنه يتكون من أغلبيه على اليمين ومعارضه على اليسار وأخذ يرتبهم على مقاعد الجلوس فى المجلس  .
وعلى الرغم من أن تلك الحادثه آرخت لبداية الحياة البرلمانيه فى مصر ، إلا أنها كشفت جانبا هاما فى الشخصيه المصريه وعلاقتها بالسلطه ومدى قدرتها على المعارضه بعيدا عن بريق السلطه .
................................................................................................
على الرغم من حداثة التجربه البرلمانيه المصريه بالنسبه للتجارب الأوروبيه إلا أنها سرعان ما تفاعلت مع الحدث الجديد الذى ينظم ويراقب العلاقه بين الحاكم والمحكوم لأول مره فى تاريخ مصر الحديثه ، وظهرت الأحزاب وكان من السهل معرفة علاقتها بالقصر الملكى حيث أنها كانت تمثل مصالح كبار الملاك والسلطه ، ولكنها سرعان ما بدأت تتشرذم وتنقسم إلى أحزاب أصغر تحت مسميات مختلفه تمارس المعارضه فيما بينها إذا تولى أحدها السلطه قبل الآخر ، ولكنها أبدا كانت تتحاشى الصدام مع رأس السلطه فى القصر الملكى  ، وهو ما جعل من المعارضه شكلا لا يرقى إلى المضمون وصارت الأغلبيه والمعارضه ألعوبه فى يد القصر ورجاله يحددون من خلالها من يقترب أو يبتعد عن أضواء السلطه ، وهو الأمر الذى جعل من إنتشار حركات المعارضه اليمينيه الدينيه واليساريه الوليدتان أمرا طبيعيا يعبرعن شارع يريد وضعا سياسيا جديدا ، وأصبحت الإحتجاجات ملمحا واضحا لتذمر الشارع من تجربه برلمانيه ضاق فيها آفق المعارضه وأنحسر فى التسابق إلى كرسى الوزراء وإرضاء الملك بعيدا عن المطالبات الشعبيه ، وتاهت المعارضة المصريه المنظمه الوليدة فى أول تجربه لها وكان هذا إيذانا بنهاية النظام الملكى بمولاته ومعارضته فقد فسد الرأس والجسد السياسى ولم يبقى أمل إلا فى إيجاد وضع جديد .
سقط النظام الملكى ونظامه السياسى ومع رحيل الملك والنظام الحزبى فقد بدا أن الرابح الأكبر هى التنظيمات اليمينيه الدينيه واليساريه ولما لا وقد مهدت الأرض  لما حدث فى يوم 23 يوليو 1952
..........................................................................................
لم يكن نظام يوليو 1952 حدثا عاديا فى السياسه المصريه ، فلأول مره يظهر فى مصر نظام سياسى مختلف عما ألفته منذ القرون الوسطى وأنتهى عهد الملكيه والتوريث السياسى ومعه أول تجربه برلمانيه مصريه على الشكل الغربى مدعوما بالتيارات اليمينيه الدينيه واليساريه التى كانت ترى فسادا وعوارا كبيرا فى الحياة الحزبيه قبل ثورة يوليو ، ولكنهم سرعان ما أختلفا مع النظام الجديد الذى أراد يتبنى نظام الحزب الواحد الذى يجمع بين جنباته المؤيدين والمعارضين تحت سقف واحد ظنا منه أن ذلك الحل السياسى هو الأمثل لقيادة المرحله . ولكن سرعان ما أصطدم التياران الدينى واليسارى مع سلطة يوليو الوليده فزج بأكثريتهم إلى السجون . وقد يظن أن تلك كانت بداية المعارضه للنظام الوليد ولكنها لم تكن إلا خلاف على طبيعة القيادة التى رأى فيها اليمين الدينى أنه الأولى بالقياده من الضباط الأحرار ، ورأى فيها اليسار أن ما حدث فى 23 يوليو 52 مخالف لطبيعة صراع الطبقه الكادحه وأنه يجب على النظام الجديد أن يتبنى أطروحاته دون سواها .. ومع إحتدام الصراع توحد اليمين الدينى واليسار لأول مره بتواجدهم سويا فى سجون النظام الجديد .
ومع بداية إنشاء التنظيم الإشتراكى التنظيم السياسى الوحيد فى مصر عرض على اليمين الدينى واليسار أن يمثلوا المعارضه داخل التنظيم الحزبى ، ولكن التيار الدينى رفض المشاركه بل وتنصل من إنتساب بعض الشخصيات المنتميه إليه والتى شاركت فى التنظيم الحزبى الجديد !
ولكن حدث تطور تكتيكى فى السجون من قبل اليسار ، فقد جلست التنظيمات اليساريه المختلفه تقيم التجربه الإشتراكيه لثورة يوليو وخلصوا إلى أن الرئيس عبدالناصر وإن كان لم يحقق ما يتمناه اليسار بالكامل إلا أنه بقراراته الإشتراكيه يحقق الحد الأدنى لما كان يتمناه اليسار أن يحدث فى مصر وعليه قررت معظم التنظيمات اليساريه أن تسارع بالإنضمام لركب التنظيم الحزبى الجديد على أمل أن تغير من خلاله أفكار النظام السياسى الجديد لصالحها وهكذا خرجت من السجون إلى ممارسة السياسه ، وظل ما تبقى منها طريدا يمثل معارضه مهزومه لا تقدر على شئ .
وهكذا مرت التجربه السياسيه للنظام الناصرى دونما معارضه سياسيه واضحه ، اللهم من أصوات فرديه إستطاعت الهروب خارج مصر ولكنها لم ترقى إلى وصف المعارضه كتنظيم سياسى وأنتهت إلى كونها ظاهرة صوتيه .
...............................................................................................
على وقع مظاهرات 1968 التى إندلعت كتعبيرعن غضب شعبى عارم لما أسفرت عنه محاكمة الضباط المتسببين فى وقوع نكسة 67 والتى جاءت بأحكام هزيله رأى فيها الشارع المصرى وفى طليعته العمال والطلبه إمتهانا له متصلا بالهزيمه المهينه للجيش المصرى ، وهو ما دعى الرئيس عبد الناصر إلى محاولة تهدأة الشارع بكل وسيله وقد نجح فى ذلك بسبب جماهيريته الطاغيه ولكنه إعترف فى إجتماع سياسى للإتحاد الإشتراكى فى العام 1969 بأنه قد باتت هناك حاجه قوية لوجود معارضه تعبرعن الشارع المصرى ودعى إلى المناقشات التى تفضى إلى وجود المعارضه ولكنه مات قبل أن تجد المعارضه طريقا منفصلا لها
ومع نهاية العصر الناصرى فقد بدا واضحا أن المعارضه السياسيه لم تكن إلا قرار فى يد السلطه الحاكمه وأن المعارضه الحقيقيه التى كانت تحسب لها السلطه الف حساب هى المعارضه الشعبيه التى تنطلق فى التظاهرات الشعبيه العفويه كالتى حدثت فى مظاهرات 1968، وكما حدث فى العهد الملكى فى 1919
...........................................................................................
فيما يبدوا من أنه إتصال سياسى بين نظام الرئيس عبد الناصر والرئيس السادات ، إلا أن الفارق بين الطبيعه السياسيه للرئيسين كبير ، فالرئيس السادات أراد أن يغير من طبيعة النظام السياسى ويحوله إلى نظام حزبى متعدد بديلا عن الحزب الواحد ، ولكنه ووجه بتحدى أنصار الرئيس السابق من اليساريين والقوميين اللذين أرادا تطويعه والسيطره عليه فلم يجد حلا إلا إخراج التيار الدينى من السجون والسماح بعودة رموزه من الخارج لعمل تشكيلات سياسيه تواجه اليساريين والقوميين ليس تكريسا لمعارضه قويه ولكن على طريقه ما كان متبعا أيام الملكيه وهى ضرب الخصوم ببعضهم البعض حتى يخلوا له صفو الحكم منفردا ، وقد كان له ما أراد حتى إندلعت أحداث 18 و 19 يناير 1977 والتى خرج فيها الشعب معترضا على القرارات الإقتصاديه وحدثت أحداث شغب كبيره إضطرت السادات إلى التراجع عن القرارات ولكن تلك الأحداث كانت ثانى إشاره من الشعب بأنه يحتاج إلى معارضه قويه وفاعله خارج إطار السلطه تعبرعنه وتحقق له مطالبه ، ولكن صرخاته ذهبت أدراج الرياح فقد إنشغلت ما أسمتها المعارضه اليساريه والدينيه والقوميه فى صراعتها البينيه دونما تقديم بديلا حقيقيا يرى فيه الشعب الأمل ليلتف حوله .
حتى حانت اللحظه وتقدم التيار الدينى الصفوف وأراد أن ينفض عن نفسه أنه قد ولد على يد السلطه وتقمص دور المعارضه الجاهزه لقيادة البلاد كبديل لنظام السادات . ولكن مع دوى رصاصات الغدر إلى صدر السادات فى حادثة المنصه فقد قضى التيار الدينى على فكرة المعارضه السياسيه التى لم تكن قد تجذرت بعد فى مصر وأذن إلى فكرة الإرهاب المسلح الذى يستهدف الدوله بدلا من المعارضه التى تستهدف الشعب ومتطلباته
............................................................................
مع بدايات عهد الرئيس مبارك فقد بدا أن النظام السياسى المصرى قد وصل لمرحله مهترئه شبيهه بمرحله ما قبل نهاية العهد الملكى ، فقد تشرذم التيارالدينى إلى فرق وجماعات ، وإنقسم وتشرذم اليسار إلى كيانات متعدده أشبه بالخلايا العنقوديه وأصبح التيار الليبرالى العائد للحياه الحزبيه منذ الملكيه أشبه بالتائه وأصبح التنظيم الحزبى الحاكم المسمى بالحزب الوطنى أشبه بالتنظيم الواحد أيام الرئيس عبد الناصر والرئيس مبارك أشبه بالملك فاروق الجميع يخطب وده أملا فى مميزات حزبيه أو ماليه للتمويل دون التفكير فى تقديم معارضه قويه ذات قواعد شعبيه كبيره تقدم حلولا لتصويب الحياة الحزبيه والسياسيه والمعيشيه للمواطن المصرى
وأستمر حكم مبارك على منوال سياسى ثابت معارضة دينيه مشرذمه ترى فى الإرهاب المسلح سبيلا لتغيير نظام الحكم والإستيلاء عليه ، ومعارضه يساريه وقوميه وليبراليه متشرذمه سرعان ما إنحصرت فى شخوص وأفراد بعينهم ترى فى الصوت العالى سبيلا للحشد دون تقديم برنامج عمل واضح يقنع الناس بمساندتهم ، وعلى الرغم من مهادنة نظام مبارك لجميع التيارات السياسيه إلا أن ذلك لم يقنع الشعب بأن صوت المعارضه كافى ليعبر عما يشعر به فكانت ثورة 25 يناير 2011 الدرس الشعبى الرابع بعد ثورة 1919 ومظاهرات 1968 ، ومظاهرات 18 و19 يناير 1977 ، للنظام الحاكم والمعارضه من أن الشعب يريد من يعبر عنه بطريقه تجعله يشعر بأن له مكانا فى المستقبل
.................................................................................
أرادت الأحزاب المصريه المعارضه إسما لا عملا أن تركب الموجه الثوريه الشعبيه وتدعى أنها من بشرت ونادت بالثوره ولكنها تناست أنها وعلى الرغم من انها تحمل لقب المعارضه إلا أنها مارستها تحت ظل الدوله المصريه منذ قيام ثورة يوليو 1952 وحتى 25 يناير 2011 ولهذا سرعان ما دخلت فى صراع مع بعضها وساعد التشرذم وهو السمه الغالبه للمعارضه المصريه على إذكاء روح العداء بين التيارات السياسيه بتنويعاتها وهو ما عجل بسقوط الجميع فى الموجه الثوريه الشعبيه الثانيه فى 30 يونيو 2013 والتى أسقطت الجميع جملة واحدة ، وبدلا من أن تتعلم المعارضه وتملك زمام الأمور فإذا بها تتشرذم أكثر ويصبح عدد الأحزاب أكثر من مائة حزب تمثل أربع تيارات سياسيه رئيسيه فقط فى مصر
......................................................................................
المعارضه المصريه لم تفهم ولم تقدر الخروج الشعبى منذ البدايات الأولى ولم تؤسس لنظام معارضه قوى قادر على قيادة البلاد ، وتحولت المعارضه المصريه إلى أسماء لأشخاص بعينهم وأحزاب خاويه من الأعضاء ، بل أننا فى تلك اللحظه نستطيع أن نقول أن المعارضه المصريه تركت الساحه بالكامل وتركت الشارع أيضا وتحولت إلى محاولة إرضاء الجماهير التى تتابع السوشيال ميديا ، فيس بوك وتوتير عبر تقديم نفسها على أنها شهيدة مؤامرة السلطه فى محاولة تغفيل للمواطن المصرى فى زمن كل شئ تحت سمع وبصر الكاميرات
............................................
إن محاولة المعارضه إرضاء الجماهير الشعبيه بالكلام المعسول تعويضاعن إخفقاتها المتكرر فى الماضى والحاضر دون تقديم حلول واقعيه وملموسه هى خيانه لتلك الجماهير لا تقل عن خيانة من يحاول إرضاء السلطه على حساب الجماهير . المعارضه ليست رموز ولا زعامات بل دليل عمل واضح قابل للتحقق ونضال بين صفوف الجماهير لإستنهاض الهمم من أجل المستقبل بعيدا عن التمترس وراء أفكار باليه وإدعاء إحتكار الحقيقه ، وحتى يحن هذا الوقت وحتى تفيق المعارضه المصريه بكافة أطيافها من صدمة ما حدث بعد ثورة 25 يناير وما تلاها فى 30 يونيو يجب عليها أولا أن تتعلم أن تعارض ليس أملا فى مغازلة السلطه الحاكمه وأن تكون مستقله دونما أطماع شخصيه وحزبيه .

الخميس، 9 يناير 2020

أمريكا من الإحتواء المزدوج للإستحمار المركب






بقلم / ياسر رافع


قلما تجد كاتب او باحث يرتقى بك إلى آفاق فكريه جديدة تجعلك فى حالة سيوله فكريه داخليه لا ينقذك منها إلا التعاطى معها والجريان مع سيلان تدفق مدخلاتها حتى تجد نفسك طريحا مدمى الروح على أحد شواطئها تنظر إلى حالك وأحوال البيئه المحيطه بك فتزداد جراحك مع قسوة الطرح والدماء التى تسيل على أسنان المصطلحات المدببه القاسيه التى تفسرها .
إن الكاتب المفكر الإيرانى الراحل " على شريعتى " هو من هؤلاء الكاتب القليلين الذين يدمون الروح لقساوة الطرح والمصطلح ولكنه لا يتركك إلا وقد شحذ عقلك وقلبك وجعلك متبصرا لما يدور حولك ، وهذا نجدة من خلال كتابه العلامه " النباهه والإستحمار " والذى يعالج فيه مشاكل العالم الإسلامى من خلال فكرة التضاد بين نقيضين هما النباهه والتى تعنى الدرايه بالواقع والإنتباه لما يحاك حول الإنسان وهو يقسمها إلى النباهه النفسيه والنباهه الفرديه وصولا للنباهه الإنسانيه والتى تعنى فى مجملها أن يكون الإنسان مدركا لما يدور حوله منتبها لكل من يريد أن يجعله حمار يساق إلى مصير مجهول ينتهى به للإستعمار والإستعباد .. فى مقابل الإستحمار وهو مصطلح ثورى بإمتياز ، له أسنان تجرح كل من لا يريد أن تكون النباهه طريقه ويريد أن يكون عبدا ، والإستحمار قسمه الكاتب إلى قسمين هما الإستحمار المباشر وهوعباره عن تحريك الآذهان إلى الجهل والغفله ، أما الغير مباشر فيعنى إلهاء الأذهان بالحقوق الجزئيه لتنشغل عن المطالبه بالحقوق الأساسيه والفوريه .
وقد لخص الكاتب فكرة التضاد فى الكتاب قائلا " عندما يشب حريق فى البيت ويدعوك أحد للصلاة والتضرع إلى الله ينبغى عليك أن تعلم أنها دعوة خائن لأن الإهتمام بغير إطفاء الحريق والإنصراف عنه إلى عمل آخر هو الإستحمار وإن كان عملا مقدسا  "
................................................................................................
فى منتصف القرن العشرين تبنت أمريكا سياسه دوليه جديدة آنذاك عرفت " بسياسة الإحتواء " وهى سياسه على الرغم من أنها كانت لإحتواء الإتحاد السوفيتى وتدميره إلا انها أصبحت سياسه متطوره تطورت بفعل تطور الأحداث الدوليه حتى فيما بعد سقوط الإتحاد السوفيتى ، وهى سياسه وضعها " جورج كينان " رئيس قسم التخطيط السياسى فى الخارجيه الأمريكيه وكانت قائمه على إيجاد تحالفات تطوق الإتحاد السوفيتى وتمنع تمدده ، وفيما يعنينا كان نصيب المنطقه العربيه من تلك السياسه وافرا لقربها من الإتحاد السوفيتى ، فنجد محاولة جر المنطقه إلى تحالف عرف " بحلف بغداد  1955"  ولكنه فشل ، ومحاولة وقف تمدد حركات التحرر الوطنى العربى حتى لا تجد رابطا بينها وبين الإتحاد السوفيتى . وقد تطورت تلك السياسه إلى ما عرف بسياسة " الإحتواء المزدوج " وهى سياسه قائمه على فكرة تضارب المصالح بين قوتين رئيستين فى منطقة ما ، وهما فى المقابل عدوتان لأمريكا ولهذا تعمل أمريكا على تغذية عوامل الصراع بينهما حتى تشتعل الحرب بينهما حتى يتم إنهاكهما مما يسهل تدميرهما فيما بعد ، وهذا حدث مع إيران التى تريد أمريكا أن تنتقم من نظامها السياسى الجديد "  الملالى " الذى أذلها وأفقدها حليفا إستراتيجيا لا يعوض وهو نظام الشاة السابق ، ومع العراق الذى تريد أمريكا إضعافه حتى لا تكون هناك دوله عربيه قويه بجانب إسرائيل ، وكان لأمريكا ما أرادت فدمرت البلدين . ومع بداية القرن العشرين تطورت تلك النظريه السياسيه إلى سياسة " الإحتواء المركب " وذلك عبر إذكاء التشاحنات بين الكتل السياسيه والدينيه داخل الدول المتصارعه فى المنطقه مما جعل من المنطقه العربيه وجوارها لهيبا من الجمر وأختلطت الموازيين وأصبح العدو صديقا ، والصديق عدوا ، وأخ الدين كافرا وزنديقا . وأصبح منظر الدماء مشهدا معتادا فى عواصم عربيه بجانب حفلات رقص ملتهبه وتحرش جنسى فى دول أخرى ، بل أصبح من الممكن أن يجتمع الرقص والدم فى بلد واحدا والناس وكأنها نيام وفى غيبوبه . امريكا نجحت وأحتوت الجميع تحت أجنحة النسر الأمريكى .
............................................................................................
إن مشهد رئيس الوزراء الإسرائيلى " بنيامين نتنياهو " وهو يتكلم مع مواطن سعودى عبر الهاتف على طريقه الفيديو ، لهو مشهد كاشف على أن أن النباهه العربيه قد وصلت إلى أدنى مراحلها فأصبح الجهل بحقوق الشعب الفلسطينى وحقوق الأمه والغفله والإرتماء فى حضن العدو الإسرائيلى هو قمة ما وصل له العرب من الإستحمار ، وهو عقل مورست عليه عمليات إلهاء لا مثيل لها وأصبحت المطالبه بلقمة العيش هى كل ما يتمناه حتى تشتت إنتباهه وفقد كل حس إنسانى على مستوى الفرد ومستوى المجموع ، ووصل به إلى التبلد وأصبح قتل الأخ والشقيق على مساحة الخريطه العربيه خبرا متداولا سرعان ما يختفى تحت سيل من مباريات كرة القدم وأفلام البورنو وحفلات الرياض الصاخبه
...............................................................................................
قتلت أمريكا قائد الحرس الثورى الإيرانى " قاسم سليمانى " فى الوقت الذى ظنت فيه إيران وكل دول المنطقه أن أمريكا قد ضعفت وأنها لن تستطيع الرد على الممارسات الإيرانيه فى المنطقه والتى أسقطت طائرة مسيرة أمريكيه وغارات كبيرة على المصالح النفطيه السعوديه ، لأن إيران تناست أن تفوقها الحالى فى المنطقه هو نتاج لسياسة الإحتواء المزدوج التى أخرجت العراق من معادلة القوه فى المنطقه ، وأزدادت قوتها من تنامى سياسة الإحتواء المركب التى قضت على ما تبقى من تماسك المجتمع العربى والذى أفسح لها الطريق لتتحكم فيما تبقى من قوه عربيه ، لكنها تناست أنها وقعت فى براثن التأثير الغير مباشر لسياسة الإحتواء المركب والتى تتنامى داخل المجتمع الإيرانى والتى تلعب على تناقضات وإحتياجات المجتمع الإيرانى الداخليه والتى تبلورت فى ثورة الإيرانيين ضد النظام الحاكم تحت وقع الإحتواء والحصار الأمريكى ، ولكن النظام الإيرانى الذى فوجئ بالغواصات النوويه الإستراتيجيه الغربيه والأمريكيه قبالة سواحله تذكرة بحجمه وقدراته التى تنتمى لدول العالم الثالث فرضى أن يظهر بمشهد تمثيلى يطلق فيه دفعات من صواريخ على قواعد أمريكيه جرى الإتفاق أن تكون خاليه لحظه الإطلاق ويتم الإعلان أن إيران إنتقمت من أمريكا أمام الشعب الإيرانى الذى يمارس عليه فعل الإستحمار لجعله طيع مبتعدا عن النباهه ووأد أى حركات تنبه لأن التدخل الإيرانى فى المناطق العربيه حربا مباشرة أو حرب بالوكاله ما هو إلا إستحمار شعبى لتفوق وهمى وتنفيذا أمينا لسياسة الإحتواء المركب الذى يقوض ليس فقط الأمه العربيه بل ويقوض الأمه الفارسيه التى أصبحت أسيره فى القفص الأمريكى
..................................................................................................
مشهد المرشد الإيرانى الإمام " خامنئى " بعد المسرحيه الهزليه للصواريخ الإيرانيه التى إنتقمت وهما من أمريكا نراه يهاجم المتظاهرين الذين إنتفضوا ضد نظامه ويصفهم بالخونه والعملاء للغرب فى حركة سريعه ومباغته تهدف إلى تفادى تأثير سياسة الإحتواء المركب الأمريكيه وفى الوقت نفسه إرجاع " القطيع " الشعبى إلى حظيرة الإستحمار التى تبعد المواطن الإيرانى عن محاولة إنتباهه لهشاشة نظامه وهروبه إلى الأمام عبر المشاركه فى الحروب وتجاهل المطالب الشعبيه .
الشعب الإيرانى وقع بين مطرقة الإحتواء المركب الأمريكى وبين إستحمار السلطه التى تريده طيعا يرفع أذنيه ويهز ذيله مستعدا للركوب دائما
.......................................................................................
لم تستطع أمريكا أن تنتصر نصرا كاملا إلا فى المنطقه العربيه ، فيكفى أن تنظر يمينا ويسارا ، وشمالا وجنوبا ، سترى أمريكا لها يد فى كل دوله عربيه ، وأن سياسة الإحتواء المزدوج والمركب ، أتت أكلها فى كل بلد عربى ، الخليج خائف مرتعب من الدول العربيه الكبيره فساعد على إضعافها ، داعش ظهرت فقوضت العراق وسوريا ، الصراع السعودى الإيرانى أطاح باليمن قتلا وتشريدا . التناحر السياسى الداخلى بين الأحزاب والكتل السياسية حتى أصبح الإستقواء بالخارج العربى مشهد مكرر ومعتاد فى السياسه العربيه ، التى مارست أنظمتها السياسيه الحاكمه أكبر عملت إستحمار فى التاريخ حتى أصبح مجرد عملية إنتباهه أو لفت نظر االناس لما يمارس ضدهم هو تمرد محتمل يجب وأده .
الدول العربيه النباهه وإخراج الناس فيها من حالة الإستحمار هو عماية إنتحار مؤكدة ، فالأنظمه السياسيه والأحزاب المواليه والمعارضه تقاوم بشده لأن المواطن الحمار أسهل فى قيادته من المواطن النابه .
.......................................................................................
العرب أمام أكبر تحدى فى التاريخ إما أن يستفيقوا وينتبهوا أو يتمرغون فى الإستحمار الذى سيؤدى بهم إلى الإستعمار المباشر مرة أخرى . أمريكا إستطاعت عبر سياسة الإحتواء المركب ان تفتت الداخل العربى الأمر الذى جعل من إستحمار السلطات المحليه إستحمار مركبا ترفل فيه الشعوب العربيه مستمتعه راضيه ، فلا عجب أن ترى القتل والتشريد فى اليمن وسوريا وليبيا والعراق فى مقابل إستحمار شعبى مواكب للسلطه يوافق على الدم فى مكان ويرفضه فى مكان آخر وكأن القتيل فى أحد الحالتين ليس عربيا أو حتى إنسانيا ، وسط حالة من الهستيريا العنصريه التى تغذى الكراهيه تمنع النباهه وقيم الإنسانيه أن يكون لها مكان على الأرض العربيه
..........................................................................................
إذا أرادت الدول العربيه أن تتخلص من السيطرة الأمريكيه فيجب أن تغذى عوامل تقوية النباهه وقيم الإنسانيه التى تجعل من الإنسان العربى حرا يعرف حقوقه وواجباته تجاه نفسه وتجاه وطنه وذلك عبر نشر التعليم والإبداع وتدعيم قيم الحريه النابعه من القيم الحضاريه للمنطقه بروافدها المتعدده ، ومقاومة دعاة الإستحمار عملاء الأمريكان الذين يمهدون الأرض للعبوديه لضمان سيطرتهم على شعوب أنهكها الإستحمار حتى باتت تقاوم كل محاوله لإخراجها من تلك الحاله
...............................................................................
نحى المقال جانبا بعد قراءته وتجول بنظرك فى محيطك الداخلى والعربى وأسأل نفسك ،إلى أى المعسكرين أنتمى النباهه أم الإستحمار ؟ هل أمريكا عندما تقف مع دول عربيه ضد أخرى تبقى عدو أم صديق ؟ هل التطبيع مع إسرائيل التى تعادى إيران الشيعيه صديق أم عدو ؟ هل الشيعه العرب إخوه أم شيعه صفويه ؟ هل الإستقواء بالخارج لحسم صراع داخلى مع السلطه صواب أم خطأ ؟ هل تتساوى فى نظرك المقاومه العربيه أم تقسمها إلى شيعه وسنه ؟
إطرح مزيدا من الأسئله وستجد نفسك خارج حدود الإستحمار ومرحبا بك على أول طريق النباهه الطويل والشاق لتغيير العقليه العربيه المستعمره أمريكيا .

الخميس، 26 ديسمبر 2019

قاطعوا عسل النحل الصينى







بقلم / ياسر رافع


فى أواخر ثمانينيات القرن العشرين كنا طلبه فى المدارس وكانت أخبار الجهاد الإسلامى فى أفغانستان تملئ الآفاق وكانت تلهب حماسنا وخيالنا الصغير ، وكانت تجعلنا نمتلئ فخرا بالمجاهدين العرب الذين آذاقوا أعداء الإسلام من الشيوعيون السوفيت القتل بعدما تعدوا على ديار الإسلام . وكانت شرائط الكاسيت لمشايخ التيار الإسلامى ومطويات لجنة الإغاثه الإسلاميه التابعه لنقابة الأطباء المصريه تملئ الشوارع تبشر بالنصر على أعداء الإسلام وتدعوا الناس للتبرع بالمال لنصرة إخوانهم من المجاهدين . وصرنا نحفظ أسماء المجاهدين العرب والأفغان كما لو كانوا نجوما سينمائيين أو لاعبى كرة قدم مشهورين ، ولهذا لم يكن مستغربا أن يتم تداول أسماء مثل أحمد شاه مسعود ، وقلب الدين حكمتيار ، وأسامه بن لادن ، وأيمن الظواهرى وغيرهم بين الناس بصفه يوميه . وظل هذا الوضع حتى تم النصر على الروس وخرجوا من أفغانستان بل وأنهارت الدوله السوفيتيه وإنشطرت إلى دول متعدده ، وكان هذا نصر لا يدانيه نصر ملهما لتلاميذ صغار ، حتى حانت اللحظه التى خطونا فيها أولى خطواتنا فى بداية التعليم الجامعى حتى أصبحت قنابل ورصاصات المجاهدين السابقين فى أفغانستان تملئ شوارع القاهرة وكل المحافظات المصريه !!
ما الذى حدث ؟ ولماذا تحول الحلم إلى كابوس ؟ وتحولت الطيور التى كانت تطير تحت الطائرات الروسيه لتحمل القنابل بعيدا عن المدنيين المسلمين إلى غربان سود تظلل العقل والروح !!
.......................................................................................................
فى أوائل تسعينيات القرن العشرين تفجرت فضيحه " بنك الإعتماد والتجارة "  والذى إنهار نتيجة تورطه فى عمليات مشبوهه مثل غسيل الأموال ودعم الإرهاب وتجارة السلاح والتهرب الضريبى ، وكان يعتبر سابع أكبر بنك فى العالم من حيث الأصول الماليه  ويرأسه المصرفى الباكستانى " الرائد أغا حسن " بجانب شركاء عرب ذوى شأن كبير . وكان إنهيار البنك بمثابه حجر ضخم وقع فى المياه الراكدة وأنتشرت الفضائح لكن كان الحدث الأكبر هو دور البنك فى تمويل الجهاد الإسلامى فى أفغانستان وأصبح الحديث عن تجارة المخدرات والتمويل الأمريكى والعربى بغطاءات مختلفه حديث يزكم الأنوف .. إيه الحكايه ؟!
................................................................................................
فى كتاب " الحروب غير المقدسة .. الإرهاب بإسم الإسلام " للكاتب المفكر الأمريكى " جون إسبوزيتو" أورد الكاتب واقعه صحيحه مفاداها أنه بعد حفل تنصيب الرئيس ريجان برئاسة أمريكا بثلاث أيام حضر زائر مهم غير منتظر وصوله إلى واشنطن وطلب مقابلة الرئيس لأمرا هام .
وبدأ اللقاء الذى حضرة الرئيس ووزير دفاعه ومستشار الأمن القومى وقام الضيف الذى لم يكن إلا رئيس المخابرات الفرنسيه الكونت " ألكسندر دى ميرانش " بشرح سبب وجوده فى واشنطن ، وبادر الرئيس الأمريكى بأنه يعلم أن هناك مأزق تمويلى تجاه المجاهدين الذين يحاربون فى أفغانستان وأن أمريكا مطالبه بتمويلهم حتى يذوق السوفيت مرارة الهزيمه كما فعلوا بأمريكا وساعدوا الفيتناميين فى السابق ، وراح يسأل الرئيس عن كميات المخدرات التى تضبط سنويا فى أمريكا ؟ فرد الرئيس ريجان " إنه لا يعرف ، لكنه يفترض أن هذة المضبوطات يجرى حرقها تحت رقابة شديدة " هنا رد ألكسندر دى ميرانش " هذا خطأ يا سيدى الرئيس " وراح يشرح كيف أنه يمكن إعادة إستخدام تلك المخدرات وتصديرها إلى معسكرات الجيش السوفيتى فى افغانستان حتى تضعف قواه ، ويعاد تدوير جزء آخر منها فى الأسواق لتدبير الأموال اللازمه لشراء السلاح وسداد مستحقات الشباب الذين يرسلون إلى آتون الحرب هناك . وكان يلزم لذلك شبكه كبيره من البنوك لتبييض وغسيل تلك الأموال .
ومع سقوط بنك الإعتماد والتجارة سقطت الأقنعه وبرزت أكبر عمليه تمويل قذرة أستخدم فيها الدين الإسلامى لتصفية الحسابات بين أمريكا والإتحاد السوفيتى . لكن ما دور العرب ؟!
...............................................................................................
بعد إنتهاء الحرب العالميه الثانيه 1945 قامت الحرب الباردة بين الإتحاد السوفيتى وأمريكا وأنقسمت قيادة العالم بينهما ، وفى سبيل أمريكا لمحاصرة الإتحاد السوفيتى فكرت فى فكرة أطلق عليها إسم " المغناطيس الإسلامى " والتى تهدف إلى جذب الدول الإسلاميه إلى حلف كبير يجذب دول جنوب الإتحاد السوفيتى الإسلاميه بهدف تفتيته وإسقاطه ، ولكن تلك الفكره لم يكتب لها النجاح لأنها إصطدمت مع مشروع القوميه العربيه إبان فترة حكم الرئيس جمال عبدالناصر فى مصر ! ولكن الفكرة أصبحت على أرض الواقع بعدما تغيرت السياسه العربيه فى نهاية سبعينيات القرن العشرين وأتجهت ناحية أمريكا وسط تنامى للأفكار الدينيه فيها . حتى كانت اللحظه التى أخطا فيها الإتحاد السوفيتى وأتخذ قرار دخول أفغانستان لمناصرة الحكومه العميله والحليفه له هناك !! وهنا كان لفعل المغناطيس الإسلامى فعل السحر فقامت الدول العربيه التى تكره الشيوعيه بتعبئة الشارع العربى تجاه السوفييت الكفره الملحدين وهو ما جعلها ترسل شبابها ليقاتلوا هناك محملين بشحنات معنويه كبيره تجعل مشاهد الجنه لا تفارق خيالهم أبدا ، بل ورأت بعض الدول العربيه أن الحرب الأفغانيه وسيله للتخلص من شباب الحركه الإسلاميه المزعجين وسهلت لهم الوصول إلى ميادين المعارك . كل هذا وسط تمويل مالى كبير وسلاح غير محدود لم يخلوا من رائحه عفنه سرعان ما تبرأت منه العديد من الدول العربيه بعدما بدا أن السهم سيرتد إليها وأن مساندتها للحرب تحولت إلى مطالبات بتغيير حكوماتها وأنظمتها الحاكمه وهدف لدى العائدين من أبناءها من ميادين القتال فى أفغانستان .
ومع إنتهاء الحرب وضح وتبين أن الشيوخ الكبار قد إستفادوا من الحرب ومن أحلام الشباب الصغير الحالم بجنة عرضها السموات والأرض ، ومع إنقطاع التمويل وتهرب الجميع من فضائح الجهاد فى أفغانستان ، ومع عودة الشباب العربى إلى بلادهم الذين تشبعوا بأفكار الممولين للحرب حدثت الفاجعه فكان على الدول العربيه أن تدفع ثمن أكلها عسل نحل تحالفها مع أمريكا وظنها انها تلعب دورا موازيا لأمريكا فى قيادة العالم من قبل النحل من أبناءها الذين عادوا ليس كما السابق بعدما تحولوا إلى دبابير لاسعه تؤرق النوم وتستنزف الجهد والمال بعمليات إرهابيه طالت لسنوات طويله .
..............................................................................................
لم تتعلم الدول العربيه من دروس حرب أفغانستان وإرسالها لأبناءها للقتال فى حرب دفعت فيها الأموال والسلاح والشباب ولم تجنى إلا الخراب وإحتلال أمريكا لأراضيها فى نهاية المطاف ، ونراها بعد الربيع العربى فى 2011 تقامر مرة آخرى وتلقى بثقلها وراء أمريكا لإصطياد روسيا فى سوريا وتقوم بتمويل الجماعات الإسلاميه المتطرفه بإيعاز من أمريكا فى كلا من العراق وسوريا وهو الأمر الذى أدى لنشوء تنظيم " داعش " التى أعطت مسوغ لأمريكا لإستنزاف مقدرات العرب الماليه وإنهيار الأمن العربى لصالح اللاعبين الإقليمين ، وفى النهاية ماذا جنت الدول العربيه ؟! عمليات إرهابيه ، وقتل ودماء فى كل مكان !!
لكن بين ثنايا تلك الحرب يبدوا أن هناك من يهمس فى أذن العرب والمسلمين بأن شبابكم مطلوبين فى مكان آخر بعد أن إنتهت المهمه وأنهار النظام العربى بالكامل !
آين يكون هذا المكان ؟!
...........................................................................................
بعدما تحولت سوريا إلى ميدان مفتوح لكل الطامعين فى الجهاد ضد الكفرة من أتباع النظام السورى وحلفاءه من الروس ، فقد إنقسم العالم حول الحرب فى سوريا وكان هناك لاعب قوى يناصر سوريا دون المشاركه فى الحرب المباشره لإعتبارات خاصه بالتوازنات الدوليه ولكنه مهتم بشده بسبب وجود عناصر بشريه تقدر بالآلاف تقاتل ضد حليفها وتعتبرهم عنصر خطر عليها فى المستقبل وتصفهم بالإرهابيين ، إنها الصين ومقاتلى الإيجور المسلمين أتباع الحزب " التركستانى " القومى الذى يطالب بإستقلال إقليم تركستان عن الصين والذين تخاف منهم الصين إذا ما عادوا أن ينقلوا خبراتهم القتاليه ضدها فى حرب عصابات تنهكها خصوصا بعدما دخلت أمريكا على خط الأزمه بهدف معلن وهو حماية أقلية الإيجور من إضطهاد السلطات الصينيه لهم ولكن الهدف الحقيقى كما الهدف ضد الإتحاد السوفيتى قديما وهو محاولة إحتواء التمدد الإقتصادى الصينى خصوصا وأن منطقة تركستان أو مقاطعة شينجيانج تقع فى صلب خطة الصين الإقتصاديه الكبرى " إحياء طريق الحرير " وهى الخطه التى أصبحت مهددة على طول الطريق بمحاوله تصدير فكرة الجهاد الإسلامى إليها وتدميرها إقتصاديا
.................................................................................................
حملات المقاطعه التى تجتاح الدول العربيه ضد البضائع الصينيه لها ما يبررها لدى المواطن العربى المسلم الذى يسمع كل يوم عن فظائع ترتكبها الصين ضد مسلمى الإيجور ، كما كان لديه المبرر فى مقاطعة المنتجات الدانيماركيه على خلفية الرسوم المسيئه للرسول محمد (ص) ، لكن حملة مقاطعة المنتجات الصينيه هذه المرة تحمل شيئا مختلفا فهى ليست إحتجاجا شديد اللهجه فى وجه التنين الصينى ! وليست إبرازا لقوة العالم الإسلامى والمنتمين له ! بل تحمل بين ثناياها وفى خلفية الصورة شبحا يريد ان تتجه الأحداث إلى سيناريو يدفع بشباب تلك المنطقه من العالم للقتال ضد الصين لنصرة إخوانهم من الإيجور وليحسم معركة الإستنزاف ضد الصين لصالح أمريكا وأوروبا لينعموا بأرباحهم التجاريه التى يخشون عليها مع تنامى صعود الصين الإقتصادى .
..................................................................................
يجب أن لا تنخدع الدول العربيه مرة أخرى وتمنى نفسها بلعب دورا عالميا أكبر منها كما السابق وتنساق وراء مشاريع نقل الصراع وإستغلال شباب العرب والمسلمين فى صراع ليس لهم فيه ناقة ولا جمل ، خصوصا مع إنتقال الجهاديين خارج سوريا والعراق إلى جوار المصالح الصينيه فى الصين وفى أفريقيا ، وعليه يجب أن نوقف روح الشغف والمغامره وراء جنى عسل النحل فى الصين تحت مسمى جهادى، لأنه سيتحول إلى علقم وسيرتد شبابنا مجددا إلينا كغربان سود تبشر بالموت والخراب وساعتها لن نجد من يقف بجانبنا
...................................................................
قاطعوا عسل النحل الصينى قبل فوات الآوان . وقبل أن تختمر الفكره فى عقول الشباب المسلم الحالم بمجتمع مثالى لا يقدر على تحقيقه على أرض الواقع ، ويتحول إلى حالم مخدوع يتجول كخلايا نحل جهاديه فى بقاع الأرض لحماية المصالح الأمريكيه التى توجهه ناحية أعداءها متخيلا أنه يصنع أنهارا من العسل فى كل بلد يحط فيها بسلاحه وتكون النتيجه أنهارا من عسل آسن وذكور من نحل شباب قتلى ومقطعين الأوصال ودول عربيه تعانى سكرات النشوه الوهميه بأنها دول قادره على أداء أدوار عالميه وهى فى الحقيقه أقل من تابع يؤدى دوره بإتقان .

الأحد، 22 ديسمبر 2019

السلطه والجنس فى مصر





بقلم / ياسر رافع


من المحرمات فى بلادنا الحديث عن الجنس وكأنه الشيطان الرجيم ، فما بالك ولو إقترن الحديث عنه بسياسة الحكم وطبيعة حركتها داخل المجتمع ، وهذا كان موجودا أيام البدايات الأولى للحضارة المصريه القديمه  لأن الجنس إحتل المكانه المميزه داخل مكونات الدوله المصريه القديمه بل كان الإطار العام لها ، فنرى الإله " أتون " الإله الأعظم ومنشأ الكون فهو الذى خلق نفسه بنفسه على قمة التل الأزلى ثم قام بخلق " شو " و "تفنوت " عن طريق الإستنماء وبصق " المنى " الخاص به فى الماء الأزلى ، وقد عرف بالكامل نظرا لتساوى الذكورة والأنوثه به . وهو ما عرف لاحقا " بطقس الإستنماء فى النيل " حيث كان الفرعون يقوم فى يوم معين بالإحتفال بالإله آتوم وسط جموع المصريين ويقوم بالإستنماء فى النيل أمامهم وسط التصفيق والتهليل نظرا للبركه التى ستحل عليهم وزيادة الخيرات
 وتلك كانت بدايه إقتران الجنس بالسلطه فى مصر القديمه
..............................................................................................................
تزوج " شو " من  " تفنوت " وكانت بداية الحياة على ضفاف النيل لنسل السلطه من الآلهه الملوك فكان من نسلهم إيزيس وأوزوريس وست ونفتيث ، وطبقا للأسطورة فكان من المفروض أن يتزوج أوزوريس من إيزيس ، ويتزوج ست من نفتيس ، إلا أن ست حسد أخيه أوزوريس وأراد إيزيس لنفسه وهو ما جعله يقوم بقتله وتقطيع أوصاله وتوزيعها على كل بقاع مصر حتى لا يبعث مرة أخرى وأستولى على الحكم ، ولكن إيزيس التى فجعت بموت حبيبها قامت بالطواف بطول البلاد وعرضها لتجمع جسد حبيبها الممزق حتى يبعث من جديد ولكن قابلتها مشكله صعبه وهى أنها جمعت آشلاء الجسد كلها ما عدا العضو الذكرى !!
 ما الحل فشرعية الحكم على المحك وكذلك إستعادة السلطه من " ست " المغتصب ، فطبقا للأساطير المصريه لا بعث للجسد الممزق ؟! هنا يظهر الجنس بطريقه آخرى ليرجح كفة الخير على الشر ، فيظهر أوزوريس من العالم الآخر فى هيئة روح ويجامع إيزيس ويولد لهم إبنهم الأشهر " حورس " الذى كبر وقتل عمه الملك ست المغتصب للسلطه وحكم مصر وفى تبرير دينى لذلك كان أن الروح تستعيد قدرتها الجنسيه بعد الممات
وهنا كان البدايه الأولى لدخول الجنس إلى حلبه السلطه لترجيح كفة أحد المتصارعين عليها
...............................................................................................................
مع خلط الجنس بالسلطه والدين فقد أصبح للجنس إله معبود إسمه " مين " وصار هناك تنظيما للجنس وما هو المباح وما هو الغير مباح وأنتظمت الحياة على هذا الشكل ، حتى بدأ إستخدام الجنس لتصفية الحسابات على مستوى السلطه وأصبح وجود وريث لعرش السلطه مرهون بآليه شرعية الجنس والتزاوج الشرعى ، وهو ما كان عندما تولى الملك تحتمس الأول السلطه ولم ينجب إلا بنتا وليس ولدا يرث العرش فكان أن تفتق ذهنه إلى أن يولى إبنته العرش بجانبه وهو ما زال حيا وهو ما تم وأصبحت إبنته " حتشبسوت " ملكه رسميا ! ولكن الكهنه ورجال الحكم أرادوا للملكه أن تتزوج من رجل يكون له دم ملكى ولكن كيف والملك لم ينجب ذكرا ذا دم ملكى متصل بإبنته ؟!
هنا يظهر للملك تحتمس الأول ولد كنتاج " غير شرعى " خارج مؤسسة الزواج من إحدى محظياته أسماه " تحتمس الثانى " وهو ما جعل الكهنه ورجال السلطه يدعمون زواجه من أخته لإستمرار الحكم وإستقراره ومضت السنوات ولم تنجب الملكه حتشبسوت إلا بنتين ولم تنجب ولد وريثا لأبيه الذى وافته المنيه ، وأصبح مأزق الحكم والوريث مشهد متكرر !! ولكن كما حصل سابقا فقد تبين أن الملك المتوفى " تحتمس الثانى " لديه إبنا " غير شرعى " أيضا من إحدى محظياته وكما السابق فقد تزوج الإبن وقد تسمى بإسم " تحتمس الثالث " وهو ما زال بعد صبيا من إحد بنات زوجه ابيه الملكه حتشبسوت ، وقد ظل تحت وصاية زوجة أبيه حتى كبر وقتلها حيث كان يكن لها حقدا وكرها كبيرا وتولى الحكم مكانها .
وهكذا لعب الجنس وشرعيتة من خلال الزواج الشرعى وغير الشرعى فى تحديد شكل السلطه العليا
.......................................................................................................
مع سقوط الإمبراطوريه الفرعونيه وفى بدايات عصر الإحتلال الأجنبى لمصر يبدوا أن الوضع لم يختلف كثيرا فنجد أن الملكه الشهيرة " كليوباترا " إبنة بطليموس الثانى عشر التى حكمت البلاد مع أخيها بطليموس الثالث عشر الذى سرعان ما طردها فأستخدمت مفاتنها الجسديه لتغرى يوليوس قيصر روما لقتال أخيها وهو ما تم وقتل أخيها فى المعارك ، وبعد مقتل القيصر تنافس إثنين من أتباعه ، أوكتافيوس وأنطونيو على ميراث مملكته وناصرت كليوباترا القائد أنطونيو الذى وقع فى غرامها بتأثير سحرها ومفاتنها لكن لم تأتى الرياح بما تشتهى السفن كما حصل مع قيصر ، فقد إنهزم أنطونيو وقتل ، وهنا أدركت كليوباترا أنها هالكة لا محاله فأنتحرت بسم أفعى ..
وهكذا إنتهى فصل من إستخدام الإغراء بالجسد والحب فى ترتيب أعلى سلطة الحكم
...................................................................................................
ومع ظهور الأديان السماويه على ضفاف النيل توارى ظل الجنس مع توارى دور المرأة فى الحياة السياسيه بعد أن توارت وراء ستائر القصور كأم وزوجه وإبنه وأقتصر دورها فى إطار ترتيب سلطه الحكم بالزواج المتبادل بين العروش والممالك التى تجمعها بمصر صلات وعلاقات تريد مصر توطيدها مثل زواج إبنه أحمد بن طولون بالخليفه العباسى فى بغداد ، وزواج الأميره فريال أخت الملك فاروق بإبن شاه إيران محمد رضا بهلوى . وقد تم الرفض التام لفكرة تكرار أدوار كبيرة للمرأة فى أعلى سلطة الحكم لأنها ليست مؤهله جسديا ولا نفسيا وناقصه عقل وهو ما كان تجسيدا عمليا لتولى الملكه شجرة الدر لحكم مصر بعد موت زوجها الملك الصالح آخر ملوك الدوله الأيوبيه والتى رفض الخليفه العباسى إعطاءها الشرعيه لتولى الحكم لأنها إمرأة .
وهكذا توارى دور الجنس الفج فى ترتيب سلطة الحكم وراء التنظيم الدينى الحديدى وسلطة حكم إقتصر مفهومها للجنس على الزواج الذى يرتب مصالح بغض النظر عن الإنفلات فى قاعات الحريم والجوارى بالقصور..
.................................................................................................
مع خروج مصر من ظلمات القرون الوسطى على لطمه قويه أيقظتها من نومها العميق على وقع دخول الحمله الفرنسيه لمصر كان الجنس قد دخل قبو الظلمات وأصبح تجاوز محرماته المجتمعيه مصيره الموت الصريح وهو ما حدث مع محظية نابليون المصريه والتى تم قتلها شر قتله لأنها تجاوزت الخط الأحمر الذى رسمه المجتمع لحدود الإقتراب منه . ومع مرور السنوات وإقتراب مصر من نهاية عصر دولة الباشا محمد على ظهرت الدعوات لتحرير المرأة وهو ما كان صدمه كبيره للمجتمع الذى أغلق قبو الجنس وأعتبر دعوات تحرير المرآه بمثابة المفتاح الذى سيحرر وحش الجنس من عقاله .
وقامت ثورة 23 يوليو 1952 وبدأ عهد جديد لم يكن للجنس دورا فى ترتيب سلطة الحكم لا بالجنس الصريح ولا بالإستنماء فى ماء النيل ولا بالزواج بين الممالك ، ولكن ظهرت الحاجه إلى تنظيم السلوك الجنسى فى المجتمع الذى إزداد تحررا وبات للجنس دورا بارزا فى التغييرات الإجتماعيه المصريه ، وهنا ظهرت الحاجه لضبط السلوك وإيجاد آليه جديده تضع حدودا تنظم العلاقه بين السلطه والدين والجنس .
فكان إنعقاد مؤتمر الأمم المتحده للسكان فى مصر عام 1994 محاوله فى هذا الإتجاه ولكن الوثيقه النهائيه قوبلت بنودها بإستنكار ورفض دينى ودولى واسع لأنها تدعوا للإباحيه الجنسيه وحرية الإجهاض ، وهو ما وضع الحكومه المصريه فى حرج لأن المؤتمر يعقد على أرضها وتصاعدت اللغه العدائيه داخل المجتمع من التجمعات الدينيه الرسميه مثل الأزهر والكنيسه والتجمعات الدينيه السياسيه كالإخوان المسلمين الذين قادوا حمله ضد المؤتمر وقرارته . ومرت العاصفه الجنسيه على سماء القاهرة ولكنها تركت آثرا لمدى الحاجه إلى تنظيم السلوك الجنسى فى المجتمع . ولكن السلطه العليا تركت المعالجه لسنوات قادمه .
وأنتشر التحرش الجنسى ولا أحد يتكلم خوفا من التصريح بإسم الجنس وحش القبو الذى يخافه الجميع وبات ظهور نمط جديد للمعالجه غير الأمنيه للجنس مطلبا ملحا لم تستطع السلطه فى مصر إيجاده رغم قيام ثورة 25 يناير وما تلاها فى 30 يونيو . وهكذا وقف ثالوث السلطه والدين والجنس منتظرين حلا يرضى الجميع
....................................................................................................
أقر الرئيس التونسى قيس سعيد عبر وزارة التربيه فى تونس تدريس مادة التربيه الجنسيه فى المناهج التعليميه بالمدارس دون طبع كتب لها بهدف تثقيف وتوعية الطلاب والحد من ظاهرة الإعتداء والتحرش الجنسى ، وهو ما قوبل برفض قليل للفكرة ولكن شركاء الحكم من الليبراليين والإسلاميين وهم الأكثريه أقروا القرار .. لماذا ؟
الإسلاميين حراس القبو المسجون فيه وحش الجنس يقفون مع الليبراليين دعاة تحرير الوحش من القبو كان هذا من المستحيل سابقا كما حدث فى مؤتمر السكان فى القاهره 1994 ، ولكن تغيير شكل السلطه دفع الجميع إلى إيجاد صيغة وسط تحفظ ماء الجميع أمام شعب يعانى أزمه كبيرة ، فكان تدريس التربيه الجنسيه إرضاءا لليبراليين فى مقابل عدم وضعها فى كتب مقروءه إرضاءا للإسلاميين ، وهو ما يعتبر أكبر عملية إستنماء تاريخى مارسه شركاء السلطه فى نهر الحياه التونسيه بهدف تنمية بذور تجذر لبقاءهم فى السلطه وليس نتيجة أهمية الجنس بالنسبه لإستقرار المجتمع
....................................................................................................
أصبحت الحاجه  فى مصرلتفعيل علاقه مستديمه بين السلطه والدين والجنس ضروريه فى ظل التطورات المجتمعيه وفى ظل إنتشار الوسائل التكنولوجيه الحديثه وإزدياد حالات التحرش الجنسى والأمراض الجنسيه التى تؤدى إلى حالات الطلاق ، ولا نريد حلا إستنمائيا على الطريقه التونسيه ، نريد حلا صريحا قبل أن يأتى الطوفان لحماية المجتمع من الإنهيار .

صندوق التنبيهات أو للإعلان